ومعنى الآية : إنه صلى الله عليه وسلم لما رفق بمن تولى عن القتال في معركة أحد ولم يعنفهم وإنما خاطبهم بالكلام اللين بيَّن الله تعالى أنه إنما فعل ذلك بتوفيق الله تعالى إياه ، وإن لينه لهم ما كان إلا برحمة منه سبحانه وتعالى . وقوله تعالى : (ولو كنت فظاً غليظ القلب) أي لو كنت سيء الكلام خشن الجانب شرس الأخلاق جافياً في المعاشرة قولاً وفعلاً غليظ القلب أي قاسيه أي لا يتأثر قلبه بشيء فلا يرق لأحد ولا يرحمه (لانفضوا من حولك) أي لتفرقوا عنك ونفروا منك حتى لا يبقى حولك أحد منهم لأن الفظاظة وغلظة القلب من الأخلاق المنفرة للناس لا يصبرونعلى معاشرة صاحبهما وإن كثرت فضائله ورجيت فواضله بل يتفرقون ويذهبون من حوله ويتركونه وشأنه ، ولا يبالون ما يفوتهم من منافع الإقبال عليهم ، واذن لفاتهم هدايتك ولم تبلغ قلوبهم دعوتك (فاعف عنهم) فيما يخص حقوقك (ر لهم الله) فيما يتعلق بحقوقه تعالى اتماماً للشفقة وإكمالاً للتربية(1) .
385 ـ سنة الله في الرفق :
سنّة الله في الرفق وأهله أنه يعطيهم مالا يعطي على العنف وأهله فمن يرزق الرفق يرزق أسباب الخير ، ومن يحرمه يُحرم أسباب الخير فقد جاء في الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه قوله صلى الله عليه وسلم : (من يحرم الرفق يحرم الخير) فالرفق سبب كل خير . وفي حديث آخر اخرجه مسلم في صحيحه (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف وما لا يعطى على ما سواه) قال القاضي معناه : يتأتى به من الأغراض ويسهل من المطالب مالا يتأتى بغيره(2) .
386 ـ الله يحب الرفق :
(1) ـ زمخشري ، ج1 ، ص 431 ـ 432 ، قرطبي ، ج4 ، ص 248 ـ 249 ، ابن كثير ، ج1 ، ص 420 ، الآلوسي ، ج4 ، ص 106 ، الرازي ، ج9 ، ص 60 ـ 63 ، المنار ، ج4 ، ص 199 .
(2) ـ صحيح البخاري بشرح العسقلاني ، ج16 ، ص 145 .