قال تعالى : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)(1) . والمعنى : (نحن قسمنا بينهم معيشتهم) أي أسباب معيشتهم في الحياة الدنيا قسمة تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم والمصالح (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ) في الرزق وسائر مبادى المعاش وأسبابه (درجات) متفاوتة . فقد فاوتنا بينهم فيما أعطيناهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة ، فكان منهم القوي والضعيف والعالم والجاهل ، والحاذق والأبله ، والرئيس والمرؤوس والغني والفقير . وإنما فعلنا ذلك (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً) أي ليسخر بعضهم بعضاً في الأعمال لاحتياج بعضهم إلى بعض ، وبهذا يمكن أن يتعايشوا ويحصل كل منهم على ما يحتاجه بمساعدة الآخرين ، ولولا هذا التفاوت فيما ذكرنا لما أمكن أن يقضي بعضهم حاجة بعض ولا أن يخدم بعضهم بعضاً(2) .
376 ـ ثانياً : لمنع البغي :
(1) ـ سورة الزخرف ، الآية 32 .
(2) ـ الزمخشري ، ج4 ، ص 248 ، ابن كثير ، ج4 ، ص 127 ، الرازي ، ج27 ، ص 209 ، القرطبي ، ج16 ، ص 83 . الآلوسي ، ج25 ، ص 78 .