قلنا إن الجمع بين إرادة الدنيا والآخرة ممكن ، أما كيفية التطبيق العملي لهذا الجمع فقد أرشدتنا إليه الآيات الكريمة الواردة في قصة قارون وما جرى بينه وبين قومه من حوار وجدال ، ومن ذلك ما حكاه الله تعالى من قول الناصحين له من قومه ، قال تعالى : (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)(1) . فالمسلم يستطيع أن يسعى لتحصيل نعم الدنيا بالوسائل المشروعة فهذا مباح له غير محظور عليه ، وله أن يدعو الله لتمكينه من الحصول على مطلوبه من نعم الدنيا كما أشرنا من قبل . فإذا حصل على مراده من الدنيا فعليه أن يستعمل ما يؤتيه الله تعالى من مال وغيره فيما ينفعه في الآخرة كالتصدق في سبيل الله وأداء ما أوجبه الله عليه فيما أنعم به عليه . أي أن يؤدي شكر الله تعالى على نعمه عليه ، وأن يحسن إلى خلق الله كما أحسن الله عليه . وله أن يتمتع بما أباحه الله له من الطيبات من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب وغيرها وبهذا يتحقق منه التطبيق العملي للجمع بين إرادة الدنيا والآخرة . وبما قلناه صرح المفسرون أو أشاروا إليه أو دلّ كلامهم عليه في تفسيرهم للآيات التي ذكرناها في قصة قارون ، فمن أقوالهم ما يأتي :
356 ـ أولاً : أقوال المفسرين في قوله تعالى : (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة)
(1) ـ سورة القصص ،الآيتان 76 ، 77 .