إن طلاب الدنيا الذين لا يريدون باعمالهم غيرها لا ينالون منها إلا ما يشاؤه الله تعالى منها . ثم إن هذا الذي يشاؤه الله تعالى منها لا يعطيه جميع طلابها بل لمن يريد الله تعالى إعطاءه قال تعالى : (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً)(1) يخبر الله تعالى في هذه الآية أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل له ما طلبه وأراده منها وإنما يحصل لمن أراد الله وبالقدر الذي يشاؤه الله له . فهذه الآية مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات الواردة بشأن طلب الدنيا وطلابها وقد أشرنا إلى هذا في الفقرات السابقة . وبناء على هذه الآية صار طلاب الدنيا (منهم) من يتمنى ويطلب الدنيا ولا يعطى إلا بعضاً مما طلب وتمنى. (ومنهم) من يتمنى ويطلب الدنيا ولا يعطى منها شيئاً فيجتمع عليه فقر الدنيا وضياع نعيم الآخرة(2) .
350 ـ سنّة الله في طلاب الآخرة :
قال تعالى : (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً)(3) . فهذه الآية الكريمة تبين سنته تعالى في طلب الآخرة وطلابها ، فمن أراد الآخرة أي من كانت همه وقصده ومبتغاه وسعى لها سعيها أي عمل لها عملها من الطاعات وهو مؤمن ـ لأن الطاعات لا تقبل إلا من مؤمن ـ فهو وأمثاله من المؤمنين العاملين ، كان سعيهم مشكوراً أي مقبولاً عند الله تعالى غير مردود . فالشرط للسعي المشكور أن يقصد به الدار الآخرة وأن يكون صاحبه مؤمناً(4) .
351 ـ زيادة أجر العامل للآخرة :
(1) ـ سورة الإسراء ، الآية 18 .
(2) ـ ابن كثير ، ج3 ، ص 33 ، ج4 ، ص 111 .
(3) ـ سورة الإسراء ، الآية 19 .
(4) ـ زمخشري ، ج2 ، ص 155 ، قرطبي ، ج10 ، ص 234 ، ابن كثير ، ج3 ، ص 33 .