تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن سنته تعالى في الاستدراج استدراج المكذبين بآياته تعالى ، قال عزّ وجلّ : (وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)(1) . والمعنى أن الذين كذبوا بآيات الله ولم تنفعهم هداية الهادين كأهل مكة وغيرهم (سَنَسْتَدْرِجُهُم) أي سنقربهم إلى الهلاك شيئاً فشيئاً (مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ) ما يراد بهم وذلك بإدرار النعم عليهم مع انغماسهم في الغي والتكذيب ، فكلما جدد الله لهم نعمة ازدادوا بطراً وأشراً وجددوا معصية فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم عليهم ظانين أن ذلك من الله إكرام لهم وتقريب لهم منه ، وإنما هذه النعم خذلان منه وتبعيد واستدراج . (وَأُمْلِي لَهُمْ) أي أمهلهم ليزدادوا إثماً (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) سمّاه الله تعالى كيداً لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وإنعام وفي الحقيقة خذلان ، ثم يأخذهم الله تعالى دفعة واحدة على حين غرّة وهم أغفل ما يكونون(2) . وفي تفسير المنار : الكيد كالمكر ، وهو التديبر الذي يقصد به غير ظاهره بحيث ينخدع المكيد له بمظهره فلا يفطن له حتى ينتهي إلى ما يسؤوه من مخبره وغايته . ومعنى الآية : أمهل هؤلاء المكذبين المستدرجين وأمدّ لهم في أسباب المعيشة والقدرة على الحرب كيداً أو مكراً بهم لا حباً بهم ونصراً لهم ، وفي حديث البخاري : (إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)(3) .

316 : استدراج الأمم :

(1) ـ سورة الأعراف ، الآيتان 182 ـ 183 .

(2) ـ زمخشري ، ج2 ، ص 182 ، ابن كثير ج2 ، ص 270 ، الآلوسي ، ج9 ، ص 126 ، الرازي ، ج15 ، ص 73 .

(3) ـ تفسير المنار ، ج9 ، ص 452 .

السنن الإلهية · الصفحة ٢٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

السنن الإلهيةص ٢٣٨