أما عقلاً فلأن من يلقون عليهم اللوم من المستعمرين والكفار واليهود ، يعرف المسلمون عداوتهم لهم ، والعدو لا يريد خيراً بعدوه ، وهل في قولهم (هذا من فعل المستعمر) شيء جديد أو اكتشاف جديد؟ إن عمل الشيطان وأعوانه ينصب على الإخلال والإفساد وإيذاء المؤمنين ولهذا كان شيطاناً وكانوا له أعواناً فما وجه لومهم؟
إن المستعمر ما كان يستطيع أن يصل إلى بغيته لولا غفلة المسلمين وإيجادهم الثغرات التي تسلل منها المستعمر وفعل فيهم ما فعل . وإن طغيان الحكام الذين جاء بهم الاستعمار ـ حسب زعمهم ـ ما كان ليحصل لولا عون الناس لهم وركونهم إلى ظلمهم ، فلماذا يلومون الاستعمار الذي جاء بهم ـ كما يقولون ـ ولا يلومون أنفسهم في خدمتهم وإعانتهم وتمكينهم بذلك على البقاء والطغيان؟
وأما أن موقفهم هذا ـ وهو لوم الغير لا أنفسهم ـ مرفوض شرعاً ، فلأن الله تعالى بيّن لنا بأن ما أصابنا كان بسبب منا قال تعالى : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) ، وهذا يقتضي أن نلوم أنفسنا لا غيرنا ، فنحن إذن الملومون . وأيضاً فقد بيّن الله تعالى الجهة التي تلام عند وقوع النكبة أو المصيبة فقال تعالى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ) فالله تعالى حدّد الجهة التي تلام عند حلول النكبة أو المصيبة وهي أنفسنا فلا يجوز شرعاً أن نبرىء أنفسنا مما يقع علينا من النكبات والمصائب ونلقي اللوم والمسؤولية على الغير .
284 ـ فائدة لوم النفس لا الغير :