ولكن قد يقال إن الباقين قد ينكرون المنكر بألسنتهم ويبقى المنكر ولا يستطيعون تغييره بأيديهم ، وقد لا يستطيعون إنكاره حتى بألسنتهم فينكرونه بقلوبهم لأن هذا ما يقدرون عليه ، وفي الحديث النبوي الشريف : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فمن لم يستطع فبلسانه فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ، فما وجه شمول الجميع بالعقاب في هذه الحالة؟ والجواب أن على العاجزين عن تغيير المنكر الخروج من هذا البلد الذي تعمل فيه المنكرات ولا يستطاع تغييرها ، جاء في تفسير القرطبي : (وإذا لم تغير ـ اي المنكراتـ وجب على المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها ، وبهذا قال السلف رضي الله عنهم . وروى ابن وهب عن مالك أنه قال : تُهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهاراً ولا يستقر فيها) (1) .
274 ـ سؤال وجوابه :
ولكن إذا لم يستطع الهجرة من بلد المنكر من لا يستطيع تغييره باليد ولا باللسان وإنما بقلبه فقط ، فهل يصيبه العذاب العام أيضاً وينزل منزلة فاعل المنكر أو الراضي به؟
والجواب : نعم يشمله العقاب العام ويكون طهرة له ثم يحشر على نيته ، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن زينب بنت جحش قالت : قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : (نعم . إذا كثر الخبث) . قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث : الخبث ، فسرّه الجمهور بالفسوق والفجور . وقيل المراد الزنا خاصة . والظاهر أنه المعاصي مطلقاً ، ومعنى الحديث : إن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام ، وإن كان هناك صالحون(2) .
(1) ـ تفسير القرطبي ، ج7 ، ص 392 .
(2) ـ صحيح مسلم بشرح النووي ، ج18 ، ص 3 ـ 4 .