تتقدم الجماعة المسلمة إلى الحاكم الطاغية بالنصيحة والموعظة الحسنة فتذكره بحقيقة ذاته وأنه كان نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة ، ومن كانت هذه بدايته وتلك هي نهايته فلا يليق به الطغيان والاستكبار في الأرض والاعتداء على الناس ، ثم إنه يُذكَّر بأنه عبد الله تعالى ولا يحق للعبد أن يتجبر ويطغى على عبيد سيده ، فهو وهم عبيد له جلّ جلاله ، ولا أن يطغى ويظلمهم فإن الله تعالى أقوى منه وأكبر(1) . وتذكره الجماعة بأن الله تعالى يمهل الظالم لحلمه الواسع وعسى أن يثوب ويرجع ولا يهمله فلا يعاقبه على ظلمه .
فهذا الكلام ونحوه يصلح أن يكون من النصح الذي تتقدم به الجماعة إليه ، وقد يكون سبباً لإيقاظ ما بقي في قلبه من إيمان أو خوف من الله تعالى .. ويكون هذا النصح بكل أسلوب نافع وقول لين فقد قال تعالى لنبيه موسى وأخيه هارون عليهم السلام ، وقد أرسلهما إلى فرعون : (فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)(2) . ويكون النصح له بمواجهته بالتعريض وبالتصريح حسبما يقتضيه المقام وقواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو يكون تقديم النصيحة له بالكتابة ، أو بإرسال رسول إليه ، أو بتكليف أحد المقربين له لإيصال النصيحة إليه أو بأي أسلوب آخر نافع وجائز شرعاً .
254 ـ ثانياً : تبصير الأمة بواجبها :
(1) ـ حدثني أحد معاصري الحكم العثماني قبل الحرب العالمية الأولى أن العادة كانت لدى السلطان العثماني أن يأتي إلى جامع سلطان احمد لأداء فريضة الجمعة ، ويأتي راكباً فرسه . فإذا وصل باب الجامع تقدم إليه أحد الجنود وكان بانتظاره ، فيقف أمام السلطان ، والسلطان منكس رأسه ، ويقول له بصوت عالٍ (سلطاني لا تغتر فالله أكبر منك) ثم يترجل السلطان وينزل من فرسه ويدخل الجامع .
(2) ـ سورة طه ، الآية 44 .