قال تعالى مخاطباً اليهود : (ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)(1) .
والمعنى أن الله تعالى أخذ العهود على اليهود أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا يخرجوهم من ديارهم ولا يظاهرون عليهم في ذلك ، وأن يفادوا أسراهم فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء ، فوبخهم الله تعالى على ذلك توبيخاً يُتلى فقال تعالى : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) أي تأخذون الفداء وتتركون البعض الآخر من التوراة وهو النهي عن القتل والإخراج من ديارهم (فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أوعدهم الله تعالى كما أوعد من قبلهم ومن بعدهم بأنهم يعاقبون على نقض ميثاق الدين وعصيانه وعدم الإيمان به كله ، والعقاب هو الخزي العاجل الذي يصيبهم في الدنيا والعذاب الآجل في الآخرة . وقد شهدت الوقائع التاريخية بأنه ما من أمة فسقت عن أمر ربها واعتدت حدود شريعتها إلا تفرق شملها ونزل بها الذل والهوان وهو بعض الخزي في الدنيا وهذه هي سنّة الله التي يجب أن يحصل بها الاعتبار ولا يغفل عنها المسلمون(2) .
(1) ـ سورة البقرة ، الآية 85 .
(2) ـ تفسير المنار ، ج1 ، ص 372 ـ 374 .