وإذا كان الإسلام قد أمر بالاجتماع والائتلاف ونهى عن التفرق والاختلاف ، فهذا النهي يدل على جملة امور (منها) أن الاختلاف يمكن وقوعه بين البشر وبين المسلمين أنفسهم ، لانه لو كان مستحيلاً لما نهى الإسلام عنه لأن النهي عن إيقاع المستحيل عبث ينزه عنه الشارع الحكيم . (ومنها) إذا كان الاختلاف يمكن وقوعه بين المسلمين فإنه يمكن توقيعه تحصيل ضده وهو الاتفاق لما عرف من أصول الشريعة لا تكليف إلا بمقدور ولا تكليف بمستحيل (ومنها) إذا كان الاختلاف منهياً شرعاً فهو إذن مذموم لان الأصل أن الذم يتبع النهي أو يقترن به إلا ما استثني ، (ومنها) إذا كان الاختلاف منهياً عنه ومذموماً فمن وقع فيه أو تلبس به حقت عليه المسؤولية الدينية ولحقه الجزاء على النحو المقرر في الشريعة . (ومنها) وإذا كان الاختلاف منهياً عنه ومذموماً ومعاقباً عليه فينبغي توقيه واتخاذ الأسباب والوسائل المانعة من وقوعه والدافعة له بعد وقوعه .
160 ـ وقوع الاختلاف بين المسلمين :
والاختلاف وقع ويقع بين المسلمين بالرغم من تحذير الإسلام والنهي عنه تصديقاً لإخبارات النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعه فقد قال صلى الله عليه وسلم : (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا في حجر لاتبعتموهم . قلنا : يا رسول الله ، اليهود والنصارى؟ قال : فمن)(1) . وكان من سنن الذين من قبلنا وقوعهم في الاختلاف والافتراق كما جاء في الحديث النبوي الشريف : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة . وتفرقت أمتى على ثلاث وسبعين)(2) .
161 ـ الحكمة من التحذير من الاختلاف مع حتمية وقوعه :
(1) ـ مختصر صحيح مسلم للمنذري ، ج2 ، ص 291 .
(2) ـ فيض القدير بشرح الجامع الصغير للمناوي ، ج2 ، ص 20 .