ولكن الروم بقدر اهتمام العرب المسلمين بهم، وإعداد القوة لهم، واستكمال الاستحضارات بكل تفاصيلها لقتالهم، كانوا يتصورون أنه لا فرق بين العرب قبل الإسلام وبين العرب بعد الإسلام، وأن الحرب التي يشنها العرب المسلمون كالحرب التي كان يشنها العرب قبل الإسلام، الحرب العربية في مجملها غارات تلتهب بسرعة، وتخمد بسرعة، دون أن تترك أثرة ولا تأثيرة، فكانت استهانة الروم بالعرب المسلمين، بقدر اهتمام العرب المسلمين بالروم وأستعدادهم الكامل المفصل لحربهم، فوقع الروم في خطأ عسکري سوقي عظيم، كان له أسوأ الأثر في مستقبل الروم وحكمهم في بلاد الشام وفي وطنهم الأم، فما كان ينبغي لهم أن يستهينوا بالعرب المسلمين استهانة لا مسوغ لها، إذ لم يكن لهم أي رد فعل تجاه غزوة تبوك لا على نطاق جيش الروم الأصلي في قيادته العامة، ولا على نطاق جيش الروم المحلي في قيادته الفرعية التي كانت تسيطر على منطقة ميدان القتال.
وقد أدى اندحار الروم معنوية في غزوة تبوك، إلى تفكير القبائل العربية الخاضعة لهم، بعدم جدوى اعتمادهم على الروم لحمايتهم، ولا بد من التحالف مع المسلمين الأقوياء، ليضمنوا لهم الحماية والاستقرار، لذلك أقبلت القبائل العربية على مصالحة المسلمين ومحالفتهم، وازداد انتشار الإسلام في تلك المناطق عما كان عليه بعد مؤتة.
واستطاع الرسول - نتيجة لذلك - تنظيم نقاط ارتكاز على الحدود الشمالية الغربية الجزيرة العرب التي تربط الجزيرة العربية ببلاد الشام الخاضعة للروم في حينه، وذلك بعقد المحالفات مع سكان تلك المنطقة وإقبال قسم منهم على اعتناق الإسلام. فكان من تلك النقاط الارتكازية في الصحراء کدومة، وكان منها على ساحل بحر القلزم، وكان سائرها على حدود بلاد الشام الجنوبية وحدود الجزيرة العربية