كثيرة تجاه الروم وحلفائهم الغساسنة، وبذلك استطاع النبي صلى الله عليه وسلم ع أن يجعل المسلمين يعتقدون بأن في إمكانهم محاربة الروم وحلفائهم والتغلب
عليهم
ولم يكن العرب المسلمون (يحلمون) قبل الرسول ع بأنهم يستطيعون صد تعرض الروم وحلفائهم عليهم في عقر دارهم، فأصبحوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ع وبالإسلام (يعتقدون) بعد تبوك بأن في مقدور هم محاربة الروم في بلاد الروم نفسها والانتصار على جيوشهم هناك.
والحق أن العرب غير المسلمين استهولوا قتال العرب المسلمين للروم، فقال قائلهم وهم يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ع وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: «أتحسبون جلاد بني الأصفر (أي الروم) كقتال العرب بعضهم بعضا: والله لكأنا بكم غدة مقرنين في الحبال»، إرهابا وإرجافة وترهيبة للمؤمنين (216)، فما كان هؤلاء العرب الذين لم يسلموا يصدقون بأن العرب المسلمين قادرون على حرب الروم، ولكن العرب المسلمين كانوا واثقين من نصر الله، فإذا كان العرب أنفسهم يستهينون بأنفسهم إلى هذا الحد، فلا لوم على الروم في استهانتهم بالعرب أيضا.
لقد قضى انتصار المسلمين المعنوي على الروم قضاء حاسمة على تردد المتخلفين عن الإسلام من العرب، فإذا كانت قوات المسلمين تهدد الروم في عقر دارهم وهم من هم قوة وسلطانة، فلا مجال للقبائل العربية غير المسلمة أن تثبت أمام المسلمين. لذلك أقبلت وفود أكثر القبائل العربية إلى المدينة بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم ع إليها من تبوك معلنة إسلامها، وأقبل الناس يدخلون في دين الله أفواجا، لهذا سمي هذا العام بعام الوفود.
(216) سيرة ابن هشام (4/ 180}.