أكثر عددا وماء وسعة في الأرض من أمة أخرى، فإن القوة التي تكون من نقض العهود مآلها الزوال. ومعنى قوله تعالى: وفتزل قدم بعد ثبوتها، أن نقض العهود يؤدي إلى ضعف القوة، والنقض في ذاته زلل للأمم.
وإذا كان القرآن الكريم يدعو إلى تقوية العهود وتنفيذها، وإلقاء الأمن بين الناس بها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، قد حث في طائفة كثيرة من الأحاديث المروية عنه على الوفاء بالعهود عامة، وعلى الوفاء بالعهود التي يعقدها رؤساء الدول في تنظيم العلاقات الدولية خاصة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بخياركم خياركم الموفون بعهودهم»، ويقول: «أنا أحق من وفي بعهد»
وكان ينهى عن الغدر بمقدار حته على الوفاء، وكان يعتبر أعظم الغدر غدر الحكام، فهول بقوله: «لا غادر أعظم غدرة من أمير عامة»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «ولكل غادر لواء يوم القيامة، وأكبر لواء غدر أمير عامة»، ولا يقتصر الوفاء في الإسلام على الأقوياء، بل يشمل الضعفاء والأقوياء، على السواء (319).
إن المعاهدات النبوية ترتكز على ثلاثة مبادئ: الشورى، والسلام، والوفاء، ومبدأ الشوري ضمن لها العدل المطلق بين المسلمين والطرف الثاني، وضمن لها السداد والتوفيق والسلام العادل والوقاء المطلق، ضمن لها أن يؤثر الطرف الثاني المسلمين على الروم وحلفائهم والفرس وحلفائهم، ومهد الطريق للمسلمين للفتح الإسلامي، لأن أصحاب البلاد المفتوحة كانوا مع المسلمين على الروم والفرس: مع العدل على الظلم، ومع السلام على الحرب، ومع الوفاء على الغدر.
(319) العلاقات الدولية في الاسلام - الشيخ ابو زهرة - (40 - 41) - القاهرة -
1384 ه،