وللزَّجر منهُ وَقْعُ أَهْوجَ مِنعَبِ(1)
فَأَدركَ لم يَجهَدْ ولم يَثنِ شَأَوهُ
يَمُرُّ كَخُذْرُوفِ الوَليدِ المُثقَّبِ (2)
يقول » وواضح أنَّ الأبيات الأولى تخلو من تلك التقسيمات والمقابلات التي تكثر في أبيات المقطوعة الثانية التي يصف فيها سرعة فرسه، وما يحدثه به من الضرب بالسوط والزجر بالساق لينطلق به في إثر صيده سريعاً منحدراً كالجبل في عنفه وشدته . وهذا البطء الموسيقي أو قل تتابع المدات والسكنات في أبياته الأولى نابع من هذا الجو النفسي الخاص الذي يفرضه عليه هذا الهجران، والذي يحمله على التأمل الهادئ في حالته وظروفه، ويجعل حديثه إلى أصحابه، حديث شاك حزين ملح في شكواه، وكأنه يريد أنْ يبلغ من نفس رفيقه ما يحمله على إصلاح ما فسد بينه وبين صاحبته… أما وصف امرئ القيس لحصانه فنابع من موقف شخصي مختلف، موقف المقبل على الحياة الذي يرى في هذا الحصان مجرد وسيلة تبلغه غايته، ومن ثم فالموسيقى عنيفة مندفعة عنف الشاعر واندفاعه. وقسوته على فرسه نابعة هي الأخرى من حاجته إليه في بلوغ غايته وهي مطاردة هذه الحيوانات الوحشية، وكأنه كان لا يريد أن يفوته شيء من متع هذه الحياة « (3) .
ومن أمثلة التقطيع قول الخنساء :
المجدُ حُلتُهُ، والجودُ عِلتُهُ
والصدقُ حَوزَتُهُ إنْ قِرنُهُ هابا(4)
خَطّابُ مَحفلَةٍ، فَرّاجُ مَظلمةٍ
إنْ هابَ مُعضلةً سَنّى لها بابا(5)
حَمالُ الويةٍ، قَطاعُ أوديةٍ
شهّادُ أنجيةٍ للوِترِ طَلاّبا(6)
وقولها :
(1) ـ يقول إذا حركه بساقه ألهب الجري، أي أتى بجري شديد كالتهاب النار، وإذا ضربه بالسوط در بالجري وإذا زجره وقع منه موقعه من الأهوج الذي لا عقل له .
(2) ـ فأدرك لم يجهد : أي أدرك الفرس الصيد دون مشقة وتعب .
(3) ـ ابراهيم عبد الرحمن، الشعر الجاهلي، ص 288 .
(4) ـ الحلة : الثوب، القرن : النظير في الشجاعة .
(5) ـ المحفلة :المجلس، سنى : سهل وفتح .
(6) ـ الأنجية : المجالس، الوتر : الثأر .