وأردفَ أعجازاً وناءَ بكَلكَلِ(1)
ألا أيُها الليلُ الطويلُ ألا انجلي
بصُبحٍ وما الإصباحُ منكَ بأمثلِ(2)
فيا لكَ من ليلٍ كأنَّ نجومَهُ
... ... بأمراسِ كتّانِ إلى صُمِّ جَندلِ(3)
... وتتجلى في هذا البيت مظاهر إيقاعية أخرى تختلف عن البيت الشعري السابق على الرغم من أنَّ البيتين الشعريين هما من القصيدة نفسها، ومن الوزن الشعري نفسه .
... إن هذا البيت يتميز بكثرة مدوده التي تظهر في » ألا، الليل، الطويل، ألا، انجلي، ما، الإصباح «، وتعبر هذه المدود عن الحالة النفسية التي يعيشها الشاعر، فلقد وصل درجة من التأزم النفسي، بعد أنْ أحاطت به عتمة الليل وقسوته، ووصل إلى الصراخ في مخاطبته الليل، ومن الطبيعي أن تكثر هذه المدود لتتناغم مع طبيعة التجربة الشعورية المفعمة بالألم .
... لا ريب أنَّ مظاهر الإيقاع تختلف بين البيتين، فهناك قطع، وسرعة، وجري يتناغم مع طبيعة مشهد العدو والجري التي مر بها الشاعر، وهنا مدود، وصراخ، يتناغم هو الآخر مع طبيعة الحالة الشعورية التي يعيشها الشاعر . إنَّ هذا الاختلاف في الإيقاع له دلالته الفنية والجمالية، لأنه يساعدنا على الكشف عن التجربة الشعورية التى مر بها الشاعر، وقد فطن إبراهيم عبد الرحمن إلى ذلك في أثناء تحدثه عن قصيدة امرئ القيس : (4)
خليلَيَّ مُرَّا بي على أُمِّ جُندب
نُقَضِّ لُبَاناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ (5)
فإنكُما إنْ تَنظُراني سَاعَةً
من الدَّهرِ ينفعني لَدى أُمِّ جُندبِ(6)
مقارناً ذلك بوصف فرسه في قوله من القصيدة :
فَلِلساقِ أُلهُوبٌ وللسِّوط دِرَّةٌ
(1) ـ تمطى : تمدد، الإرداف : الاتباع، الأعجاز : المآخير، الكلكل : الصدر.
(2) ـ الانجلاء : الانكشاف، الأمثل :الأفضل .
(3) ـ ... الأمراس : جمع مرس، الحبل، الاصم : الصلب، الجندل : الصخرة
(4) ـ ... امرؤ القيس، ديوان امريء القيس، ص 41 .
(5) ـ اللبانات : جمع لبانة وهي الحاجة .
(6) ـ تنظراني : أي تنتظراني .