تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... ولا أريد التوقف عند العناية الجزئية بعناصر البيت الشعري، وتسليط الأضواء عليها مستقلة، دون الالتفات إلى المعنى الشعري الذي يقصد إليه الشاعر، وبخاصة أنَّ الشارح قد شغلته القضايا المتضادة، فعمد إلى الفصل بينها . والشاعر ببساطة لم يكن يقصد إلى كل هذا التفصيل الذي جشم الزوزني نفسه من أجل تجليته . إنَّ الشاعر يتحدث عن خصائص فرسه في سرعته، وقد تداخلت في التعبير عن هذه الخصائص صورتان تخيلية، وإيقاعية، أما الأولى : فهي الحركة الخاطفة السريعة التي يعدو بها الفرس، وكأنه يؤدي الأدوار كلها مرة واحدة، ومماثلة تلك الحركة الخاطفة بسرعة سقوط حجر من أعلى جبل، ترى هل إنَّ سرعة الفرس تماثل السرعة الخاطفة التي يهوي فيه الحجر بحيث تعجز العين عن متابعته، فضلا عما يثيره من غبار خلفه ؟ وعلى العموم فإنَّ الشاعر في الجانب الثاني، وهو الجانب الإيقاعي يضفي قيمة دلالية وجمالية من خلال هذا التقسيم المتقطع الذي يتوقف فيه المنشد مع إنهاء كل تنوين من الكلمات »مكرٍ مفرٍ، مقبلٍ، مدبرٍ، معاً « وهو يوحي، أو يوقع في روع المتلقي، صوت وقع حوافر الفرس في أثناء عدوه وسرعته، ولو توقفنا عند إيقاع كل كلمة لوحدها بعيداً عن إيقاع الوزن العروضي، لألفينا تماثلاً إيقاعياً بين الكلمتين الأولى والثانية » مكر، مفر « وتماثلاً في الإيقاع بين الثالثة والرابعة » مقبل، مدبر «، ترى هل يحق لنا القول : إنَّ هذه الإيقاعات المختلفة تحكي أصوات وقع حوافر هذا الفرس في ألوان عدوه المتفاوتة بين السرعة والإبطاء .

... أما البيت الثاني الذي نحن في سياق تأمله، فهو البيت الثالث من هذا المقطع من معلقة امرئ القيس :

وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سدوله

عليَّ بأنواعِ الهمومِ ليبتلي(1)

فقلتُ له لمَّا تَمَطَّى بصُلبهِ

(1) ـ السدول : الستور، الهموم : جمع هم، الحزن .

الشعر الجاهلي · الصفحة ٢٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشعر الجاهليص ٢٣٢