تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... إن الصورة في بعدها الحسي المرئي تشتمل على اجتماع آلاف الناس يؤدون مراسم الطواف في مكة المكرمة، وقد أكمل الشاعر الصورة المتخيلة بمؤثر حسي صوتي، لتشعر المتلقي بضجيج أصوات الناس المختلطة، والشاعر فيما يبدو لي لم يكن قاصداً إلى ذلك أصلاً، وليس في تصوره أنَّ » الجيم « إذا احتشدت بهذا الشكل ستؤدي إلى هذه القيمة الجمالية والدلالية، ولكنه كان دون شك واقعاً تحت تأثير المشهد والانفعال به، فكان التعبير عنه صادقاً، فتم اختيار المفردات تحت تأثيرات غير واعية، وهذا يقودنا إلى القول » إنَّ لبعض الأصوات قدرة على التكيف والتوافق مع ظلال المشاعر في أدق حالاتها، وترتبط الظلال المختلفة للأصوات باتجاه الشعور، وهنا تثرى اللغة ثراء لا حدود له « (1) .

... ومثل هذا ما يمكن التوقف عنده في قول الشاعر يزيد بن الخذاق الشني :

نعمانُ ! إنكَ خائنٌ خَدِعٌ

يُخفي ضميرُكَ غيرَ ما يُبدي

يقول محمد النويهي إنّ َ »الخاءات الثلاث التي تتردد في قوله » خائن، خدع، يخفي « تنسجم مع شعور الاحتقار والاشمئزاز « (2)، ... أما الحشد المقصود للوحدات الصوتية فإنه يقلل من أهمية الوحدة الصوتية أولاً، ويكشف عن قبح البيت الشعري ثانياً، وفي شعرنا العربي أمثلة عديدة على ذلك، وقد فطن علماء البلاغة إلى قبح ذلك، وقد تناولوه تحت باب تأليف اللفظة، وليس أدل على ذلك من نكارة الشعر وثقل النطق به من هذا البيت الشعري ، قال الشاعر :

وَقَبر حَرْبٍ بِمَكَانٍ قَفْرٍ

وَلَيسَ قُرب قَبرِ حَربٍ قَبرُ

ثانيا : التقطيع الصوتي :

(1) ـ محمد العبد، إبداع الدلالة، ص 14 .

(2) ـ ... محمد النويهي، الشعر الجاهلي، 2 / 558 .

الشعر الجاهلي · الصفحة ٢٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشعر الجاهليص ٢٣٠