... ويُعنى الشاعر الجاهلي برسم » صورة كاملة مفصلة لهيكله الجسدي من لون وحجم وحركة . ثم يبدأ في توسيع الصورة طولياً بحكاية أحداث تشبه أن تكون قصة تتعلق بالأصل الأسطوري الذي يدور حول الحياة والمكانة الدينية للثور الوحشي رمز الإله القمر « (1) . وبعد أن يفرغ الشاعر من رسم الصورة الجسدية للثور ولحالته النفسية يبدأ
» في تطوير الصورة وتنميتها طولياً بقص الحدث المتكرر، فالجو شتائي، يلجيء الثور إلى البيات بجانب الشجرة الملازمة لصورته، شجرة الأرطي « (2) .
ومن الجدير بالإشارة أنَّ الشاعر الجاهلي قد عني بالتنويعات اللونية الثابتة، فالناقة داكنة اللون، ويشبهها بالثور الوحشي الذي يطغى عليه اللون الأبيض، إذ تكون قوائمه موشاة يختلط فيها السواد بالبياض، وصدره إلى نحره أسود، أي الجزء السفلي يشيع فيه السواد في حين يشيع في الجزء العلوي البياض الناصع، كما أنَّ الشاعر يعنى بالتعاقب الزمني
الليل والنهار، مع تأكيد اللون فيهما، غير أنَّ الليل تختلط فيه العتمة بضياء القمر مع
مطر وغيوم .
... ومن الطريف أنَّ الثور الوحشي يلتجئ إلى شجرة أرطأة في الليل في الوقت الذي يظهر فيه القمر ويختفي وراء الغيوم، تماماً كاحتماء الثور بالشجرة، وذلك في جو شتوي ممطر، أي أنَّ حركة الثور تتوقف في الليل مع ظهور القمر واختفائه، فكأن أحدهما لا يظهر إلا باختفاء الآخر، ولذلك فبمجرد ظهور الشمس واشراقة الصباح يختفي القمر ويبدأ الثور بالظهور والتحرك . إنَّ هناك قمراً ظاهراً في السماء، ورمزاً مختفيا يدل عليه هو الثور، وحين تبزغ الشمس يختفي المرموز» القمر « ويتبدى الرمز »الثور «.
(1) ـ على البطل، الصورة في الشعر العربي، ص 215 .
(2) ـ نفسه، ص 126 .