... ويبدأ الصراع مع إطلالة النهار عند النابغة، إذ يرتاع الثور من صوت الصياد، ثم يشرع في الهرب، ثم يطلق الصياد كلابه، فيتحول الثور من الهرب إلى المواجهة، وإذا كان الثور يحتمي في الليلة الممطرة بشجرة أرطأة، فإنَّه هنا يحتمي بقرنيه، وهما يشبهان إلى حد كبير الهلال، وغالبا ما ينتصر الثور في المعركة، ويعمد النابغة الذبياني إلى التفصيل في وصف المعركة، وكيف أنفذ الثور فريصة الكلب بقرنه تماماً كما ينفذ المبيطر طبيب الحيوانات كتف الحيوان المصاب بداء العضد، ويواصل تفصيل الصورة بأنَّ صورة القرن النافذ من كتف الكلب تشبه سفود الشواء الذي نسيه جماعة من الناس عند موقد نار قد أكلوا عنده وشربوا، ثم ينتقل إلى وصف الكلب بأنه منقبض من شدة الوجع، وأنه يمضغ القرن الذي اخترق جسده . أما النتيجة فتنقل على لسان الكلب المهزوم، في ان الصياد خسر ولم يربح، »لم يسلم ولم يصد« .
... إنَّ الثور الوحشي الذي كرره الشعراء الجاهليون » له نظير في السماء . . . وبجانب الثور مجموعة من النجوم تسمى الجبار . . . ويقال إنَّ كل الشعوب تقريباً قد شاهدت صياداً أو محارباً في المجموعة، والكلاب التي تهاجم الثور لها ما يماثلها من مجموعات النجوم فلا تبعد عن الجبار كثيراً مجموعتا الكلب الأكبر والكلب الأصغر« (1) .
... وإذا كنا لم نجد صراعاً في السماء بين الكلاب والثور إذ ربما ضاعت أبعاده الأسطورية فإنَّ هذا الصراع يتجلى حينما يغيب أحد الطرفين، فغياب مجموعتي الكلاب في السماء بسبب بزوغ الشمس، يظهر الصياد وكلابه في النهار يتابعان الثور، وتنشب المعركة التي ينتصر فيها الثور غالبا .
(1) ـ نصرت عبد الرحمن، الصورة الفنية في الشعر الجاهلي، ص 142 ـ 143 .