... وحين نتتبع صورة الثور الوحشي في الشعر الجاهلي نلاحظ أنَّ الصورة الممتدة بدلالاتها الأسطورية جاءت لتعبر عن قوة ومتانة ناقة الشاعر، فهو يشبه ناقته بالثور الوحشي، يقول النابغة الذبياني :
كأنّ رَحْلي، وقد زالَ النّهارُ بنا
يومَ الجليلِ، على مُستأنِسٍ وحِدِ (1)
من وَحشِ وَجْرَةَ، مَوْشِيٍّ أكارِعُهُ
طاوي المصيرِ، كسيفِ الصّيقل الفَرَدِ(2)
سرَتْ عليه، من الجوزاءِ، ساريةٌ
تُزجي الشَّمالُ عليهِ جامِدَ البَرَدِ (3)
فارتاعَ من صوتِ كَلاّبٍ، فباتَ له
طوعَ الشّوامتِ من خوفٍ ومن صَرَدِ(4)
فبَثّهُنّ عليهِ، واستَمَرّ بِهِ
صُمْعُ الكُعوبِ بريئاتُ من الحَرَدِ (5)
وكان ضُمْرانُ منه حيثُ يُوزِعُهُ
طعَنَ الُمعارِكِ عند الُمحجَرِ النَّجُدِ (6)
شكَّ الفَريصةَ بالمدْرى فأنفَذها
(1) ـ زال النهار : انتصب، الجليل : واد قرب مكة، المستأنس : الذي ينظر بعينه لأنه أحس إنيساً، وحد : منفرد .
(2) ـ وجرة : مكان بين مكة والبصرة فيه وحوش كثيرة، موشي الأكارع : هو الأبيض في قوائمه نقط سود، الطاوي : الضامر، المصير، واحد المصران، وكنى به عن البطن، كسيف الصقيل : أي يلمح، والصقيل : الذي يجلو
السيوف، الفرد : الذي لا مثيل له .
(3) ـ سرت : جاءت ليلا، الجوزاء : برج في السماء .
(4) ـ ارتاع : فزع، الكلاب : صاحب الكلاب، الشوامت : القوائم، الصرد : شدة البرد، يقول إن هذا الثور بات من الخوف الذي أدركه والبرد الذي أصابه طوع قوائمه أي بات قائماًلا يطمئن فينام .
(5) ـ بثهن : فرقهن، استمر به : استمرت قوائمه به، الصمع : الضوامر، الواحد أصمع، الكعوب، الواحد كعب : المفصل من العظام، الحرد : استرخاء عصب يد البعير من شد العقال، استعاره للثور لأنه لا يشد بعقال .
(6) ـ ضمران : اسم كلب الصياد، يوزعه : يغريه، المعارك : المقاتل، المحجر : الملجأ، النجد : الشجاع، يقول : كان الكلب من الثور حيث أمره الكلاب أن يكون .