... ولم تقتصر عبادة العرب على النجوم والكواكب بل تعدتها إلى عبادة الأشياء المادية » لاعتقاد أصحابها بوجود قوى سحرية فيها وقوى غير منظورة في تلك الأشياء تلازمها ملازمة مؤقتة أو دائمة ...وأن تلك الأشياء ليست سوى منازل أو مواضع لاستقرار تلك القوى المؤثرة التي يكون لها دخل في إسعاد الإنسان . وهو يقدس الأشياء المادية كالحجارة مهما كانت صغيرة أو كبيرة ... لأنه حين يتقرب إلى تلك الحجارة لا يتقرب إليها نفسها، بل يتقرب إلى الروح التي تحل فيها «(1) .
( 6 )
... وتتبدى ملامح الأبعاد الأسطورية في الصورة الشعرية الممتدة، وبخاصة في تشبيه الشاعر ناقته، وتتعدد أنماط التشبيه هذه إذ يشبه الشاعر ناقته مرة بالظليم الذي يرعى فتمطره السماء، ومرة بالثور الوحشي الذي » جنَّ عليه الليل، فالتجأ إلى شجرة أرطأة وظلت ريح الشمال تحصبه بوبلها حتى انبلاج الصبح، فصبَّحته كلاب ضوار يشلوها صياد بائس، فهمت به، وهم بها حتى فتك بما فتك، ولاذ ما نجا بالفرار«(2) ومرة يشبه ناقته » بحمار الوحش الذي يرعى هو ونحائصه، وأقبل عليه الصيف فاشتد به الظمأ فذهب مع تلك الأتن إلى ينبوع، فشربن منه حتى ارتوين وصدرن عنه وقد أطفأن عطشهن، أو ألفين على الينبوع صياداً جائعاً، فرمى الحمار بسهم فطاش وتقصد « (3) .
... ولسنا في سياق التوقف عند كل نمط من هذه الأنماط المتعددة، ولكننا نتوقف عند واحدة منها، أعني بها قصة الثور الوحشي، والبقرة الوحشية، ويبدو أنَّ قصة الثور الوحشي ترتبط ببعدين، ترتبط من ناحية بالأسطورة القديمة التي ترى أنَّ للعرب القدماء
(1) ـ نفسه، 6/ 46 ـ 47 .
(2) ـ ... نصرت عبد الرحمن، الصورة الفنية في الشعر الجاهلي، ص 137.
(3) ـ نفسه .