أيها المؤمنون: إن الناس قد جمعوا لكم، فخوّفوكم بجموع عدوكم، ومسيرهم إليكم، مِن فعل الشيطان ألقاه على أفواه من قال ذلك لكم، يخوِّفكم بأوليائه من المشركين، أبي سفيان وأصحابه من قريش، لترهبوهم وتجبنوا عنهم ... وقال آخرون: معنى ذلك: إنما ذلكم الشيطان يعظِّم أمر المشركين أيها المنافقون في أنفسكم فتخافونهم " (1) وقد فصَّل الألوسي ما ذكر الطبري من خلاف في معنى الآية هنا على معنيين حيث يقول: " والمستكين (2) في (يخوِّف) إما للمقدر، وإما للشيطان يُحذَف الراجع إلى المقدر أي: يخوِّف به والمراد بأوليائه إما أبو سفيان وأصحابه، فالمفعول الأول ليخوِّف محذوف، أي يخوفكم أولياءه بأن يعظمهم في قلوبكم، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَاساً شَدِيداً﴾ (3) وبذكر هذا المفعول قرأ ابن عباس. وقرأ بعضهم يخوفكم بأوليائه، وعلى هذا المعنى أكثر المفسرين، وإليه ذهب الزجاج، وأبو علي الفارسي وغيرهما ويؤيده قوله تعالى: (فلا تخافوهم) أي: فلا تخافوا أولياء الذي خوَّفوكم إياهم (وخافون) في مخالفة أمري " (4).
وحاصل المعنى الأول أو الثاني أن الشيطان يعظم صورة أوليائه في نظر المؤمنين، ويستعملهم لتخويف المؤمنين.
وقد ذكرنا فيما سبق طرفاً من هذه العلاقة بين الشيطان وأوليائه في معرض الحديث عن العلاقة الجدلية بين الشيطان وأتباعه، فالشيطان يزيد أتباعه منه خوفاً، وهم بدورهم يتسلطون على المؤمنين وعلى غيرهم ليزيدوهم رهقاً كما كان يزيد الشيطان أتباعه رهقاً بطاعتهم إياه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ (5)
3 - الخوف من الشيطان:
(1) - جامع البيان - للطبري - م 3 - ج 4 - 229
(2) - المستكين هنا هو الضمير المضمر في الفعل (يخوِّف)
(3) - سورة الكهف، الآية 2
(4) - روح المعاني - للألوسي - ج 3 - ص 202، 203
(5) - سورة الجن، الآية 6