الفصل الثاني
عداوة الشيطان وأولياؤه
المبحث الأول
العداوة بين الإنسان والشيطان
تلك هي سنة الله في الكون مذ خلق السماوات والأرض إلى أن يرث الأرض ومن عليها، الصراع بين الحق والباطل، معاداة الباطل للحق، ومعاداة الحق للباطل، ولما كان الشيطان بدأً بأبيهم إبليس - وهو الباطل بعينه - ناصب الحق وأهله العداء، وأعلن عليهم حرب الجبناء، حرباً يذكيها استكباراً وعلواً، استكبارٌ بالباطل، وعلوٌ لا محالة زائل، ولقد كان الحق - على مرّ العصور - أبداً منتصراً، وإن خبا صوته للحظات، أو ضعف أهله فترات، ولقد تناول كتاب الله - كتاب الهداية والبيان - مسألة العداوة بين إبليس وجنده من جهة والمؤمنين من خلق الله من جهة أخرى، بشكل واضح، مبيِّناً سبب هذه العداوة ومنشأها، ومحذراً أتباع الحق من الاغترار بالباطل على أيّ حال، وسنبين تلك المسائل في المطالب التالية:
المطلب الأول: الاستكبار والعلو أصل العداوة بين إبليس وآدم وذريته:
تكرر ذكر قصة خلق آدم وما كان من إبليس معه، في كتاب الله عدة مرات بين إطناب، وإيجاز، وبين تفصيل في جانب، وإجمال في آخر، وكان في كل مرة يذكر لأهل الإيمان بأن ما كان من إبليس - عليه لعنة الله - من رفض للسجود لآدم إنما كان بسبب الكبر والعلو بغير الحق، يقول تعالى مبيِّناً نفسيّة هذا اللعين لمّا رفض الإذعان لأمر ربه بالسجود: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ (1)، " فالمانع له من السجود، والداعي له إلى خلافه أمر ربه في ذلك: أنه أشدّ منه أيداً، وأقوى منه قوة، وأفضل منه فضلاً، لفضل الجنس الذي منه خُلق وهو النار، (على) الذي خُلق
(1) - سورة الأعراف، الآية 12.