ومات محمد عام 125 هجرية ، بعد أن عهد بالأمر إلى ابنه إبراهيم، الملقب بالإمام ، فانتقلت الدعوة على يديه إلى مرحلة متقدمة ، وبلغت درجة عالية من النضج والدقة ، في تحريك الأعوان المتحفزين في خراسان ، وهيأت له الأقدار شاباً فارسياً فذاً في تدبير المؤامرات ، وتنظيم الخلايا ، وقيادة الجيوش ، هو أبو مسلم الخراساني ، وكانت خراسان تعج بالقبائل العربية ، ويتولى أمرها ولاة من العرب ، ولكنهم ابتلوا بداء العصبية القبلية، فأحسن أبو مسلم استغلال هذا الداء الوبيل ، فأجج نار الفتنة بين القبائل ، حتى انفلت الزمام من يديها ، وأصبحت البلاد مهيأة للتفسخ والانحلال وللانقضاض على سلطة الخلافة ، وكان على إمارة خراسان في ذلك الوقت أمير عربي ذكي ، هو نصر بن سيار، استشعر مكامن الخطر التي تدبر في الخفاء ، وعبثاً حاول تجميع القوى العربية ، إذ كان أبو مسلم يفسد عليه خططه عن طريق الدس والوقيعة بين زعماء القبائل ، وانهالت رسائل نصر على دمشق ، تحذر من الخطر المحدق. ولكن صرخاته ذهبت أدراج الرياح ، وكان البيت الأموي ـ على عهد مروان بن محمد ـ قد بلغ غاية الضعف والهزال ، ولم تعد تجدي معه صرخات ابن سيار صحيح أن السلطات الأموية وضعت يدها على الرأس المدبر للحركة العباسية ، وهو إبراهيم الإمام ، وقتلته شر قتلة ، ولكن بعد فوات الأوان ، فقد استشرى أمر الدعوة بين العناصر الفارسية ، وباتت تنظيماتها قادرة على التحرك لقلب نظام الحكم العربي في دمشق . وهو ما حدث في عام 132 هجرية ، عندما قاد أبو مسلم الثورة من خراسان ، وأزاح الجيوش العربية ، التي وقفت في طرقه ، ولم يتوقف حتى أطاح بآخر خلفاء بني أمية ، في معركة الزاب الأكبر ، في أعالي الفرات ، وسقطت في يده ثمرة الخلافة ، فسلمها ناضجة إلى وريث البيت العباسي .
الشيعة قادمون · الصفحة ٥٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الشيعة قادمونص ٥٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي