ولم يكد العباسيون يتسلمون الحكم ، حتى تنكروا لحلفائهم العلويين الشيعة ، وكشفوا عن اسم الخليفة الجديد ، ولم يكن ( الرضا من آل محمد ) الذي حاربوا الأمويين من أجله سوى سليل البيت العباسي ، عبد الله بن محمد ( شقيق إبراهيم الإمام ) والذي اشتهر بلقب السفاح.
ظاهر الحكم للخلفاء وباطنه للفرس
وانتقل مركز الخلافة بعد الانقلاب العباسي من الشام إلى العراق . وكان ذلك إيذاناً بانتقال السلطة الفعلية من أيدي العرب إلى أيدي الفرس ، ونال الفرس بعض أمنيتهم ، لا أمنيتهم كاملة ، فأمنيتهم الكاملة أن تقوم دولة فارسية بملوكها وعمالها ، ولكن إذا عز عليهم ذلك لاعتبارات خارجة عن إرادتهم ، فلا بأس من أن يكون لهم ما يلي الخلافة من أمور الدولة ، فمنهم الوزراء والكتاب وكبار القادة ومعظم الولاة ، وتحقق لهم ما أرادوا . " ظاهر الحكم للخلفاء وباطنه لنا ، نتولى المناصب العالية، وندير شؤون الدولة ، ونترك لهم أبهة الخلافة ، ومظهرها الخارجي ، فلهم الشكل ولنا الجوهر " وما أمر البرامكة عنك ببعيد ، فعن طريقهم شاع نفوذ الفرس في كل مرافق الدولة ، وأصبح لهم جيوش ، حتى ليروي الطبري " أن الفضل بن يحيى البرمكي ، اتخذ بخراسان جنداً من العجم ، بلغت عدتهم خمسمائة ألف رجل " ويصف ابن خلدون استبداد البرامكة بالدولة ، واحتجابهم أموال الجباية " حتى كان الرشيد يطلب اليسير من المال , فلا يصل إليه , فغلبوه على أمره , وشاركوه في سلطانه , ولم يكن له معهم تصرف في أمور ملكه , فعظمت آثارهم, وبعد صيتهم , وعمروا مراتب الدولة وخططها , بالرؤساء من ولده, وصنائعهم , واحتازوها عمن سواهم , من وزارة , وكتابة , وحجابة , وسيف وقلم " .