الموت, استخفوا بوعيد الكتيبة, ولقوا شبا الأسنة, وشائك السهام, وضباب السيوف بنحورهم ووجوههم وصدروهم, فمضى الشاب منهم مقتولاً وقد اختلفت رجلاه على عنق فرسه, واختضبت محاسن وجهه بالدماء, وعفر جبينه الثرى وانحطت عليه طير السماء وتمزقته سباع الأرض فطوبى لهم وحسن مآب فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله وكم من يد قد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها راكعاً وساجدا, وكم من وجه رقيق وجبين عتيق قد فلق بعمد الحديد) (1).
ولا شك أن جماعة بهذا الورع وبهذا الإيمان لا يتهمون في دينهم وإخلاصهم فقد كانوا مخلصين لدين الله ساعين لخير الإسلام لكنهم قد ضلوا الطريق من حيث لا يعلمون وقد وصفهم عمر بن عبدالعزيز - رضي الله عنه - أحسن وصف حين قال لهم: (إنكم أردتم الآخرة فأخطأتهم سبيلها) (2).
ومما تميز به الخوارج: شجاعتهم الفائقة في الذب عن معتقداتهم وأول ما يتبادر لنا من شجاعتهم ما أشتهر من أشعار قائدهم المغوار قطري بن الفجاءة الذي كان يناجي نفسه فيقول:
فصبراً في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع
سبيل الموت غاية كل حي ... وداعيه لأهل الأرض داعي
وما للمرء خير من حياة ... إذا ما عدّ من سقط المتاع (3)
وقد كان لقطري بن الفجاءة هذا زوجة من أشجع النساء وأكثرهم تمسكاً بتعاليم الدين وكانت تشارك في الحروب وتحمل على صفوف الأعداء وهو ترتجز:
أحمل رأساً قد سئمت حمله
وقد مللت دهنه وغسله
ألا فتى يحمل عني ثقله (4)
(1) الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني: 3/ 150.
(2) سيرة عمر بن عبدالعزيزلابن عبدالحكم: 131
(3) العقد الفريد: 1/ 123.
(4) الأغاني: 6/ 6 - 7.