مخالفيهم بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا = 26 ... إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ (1)
واستدلوا على كفر علي - رضي الله عنه - بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (2) بحجة أن علياً حكّم الرجال في كتاب الله فيكون قد حكم غير الله في أمر المسلمين (3).
ومن ملامح الخوارج الغالبة تشددهم في العبادة ومبالغتهم فيها, فقد روى ابن عباس حين ذهب إليهم رسولاً من قبل علي - رضي الله عنه - رأى منهم جباهاً قرحة لطول السجود, وأيدياً كثفنات الإبل وهم مشمرون للعبادة (4).
ومما يروى أيضاً عن مبالغتهم في العبادة: ما روى عن زياد بن أبيه من أنه قتل أحد الخوارج ثم جاء بمولاه فقال له: صف لي أمره واصدق. قال المولى: أأطنب أن اختصر؟ فأجابه زياد: بل اختصر. قال المولى: ما أتيته بطعام في نهار قط ولا فرشت له فراشاً بليل قط.
ويصف أبو حمزة الشاري أصحابه خير وصف فيقول: ( ... وقد بلغني أنكم تنتقصون أصحابي! قلتم هو شباب وأحداث ,أعراب جفاة ويحكم , ما هم في الخير إلا شباباً أحداثاً؟ أما والله إني لعالم بتتابعكم فيما يضركم في معادكم ... شباب والله مكتهلون في شبابهم, غضيضة عن الشر أعينهم, ثقيلة عن الباطل أرجلهم, أنضاء عبادة وأطلاح سهر باعوا أنفساً تموت غداً بأنفس لا تموت أبداً, قد نظر الله إليهم في جوف الليل, منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن, كلما مر أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقاً إليها وإذا مر بآية من ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه, وقد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وأنوفهم وجباههم, وصلوا كلال الليل بكلال النهار, مصفرة ألوانهم, ناحلة أجسامهم من طول القيام وكثرة الصيام مستقلون لذلك في جنب الله, موفون بعهد الله منجزون لوعد الله, حتى إذا رأوا سهام الأعداء قد فوقت ورماحهم قد أشرعت وسيوفهم وقد انتضيت, ورعدت الكتيبة بصواعق
(1) نوح: 26 - 27.
(2) الأنعام: 157.
(3) انظر: العقد الفريد: 2/ 390 فما بعدها.
(4) المصدر السابق: 2/ 389.