صحيح أن القرآن الكريم فيه الكثير من الأسرار التي توصل لها العلم لاحقاً، أو لم يتوصل لها بعد، لكن العلماء فقط، وليس الأئمة ولا المتصوفة ولا رجال الدين هم من حلوا هذه الأسرار للبشرية ليستفادوا منها.
يرى المقريزي في خططه بأن أمر الصوفية بدأ يتدهور بعد موت الشيوخ الأوائل: "حتى صاروا من سقط المتاع، فلا ينسبون إلى علم ولا ديانة"، من البديهي أن الصالحين من المتصوفة لا يتحملون مسؤولية عبث خلفهم من الأتباع والمريدين، ولكننا نتحدث عن وقائع ملموسة، وليس عن عفاريت يتحدث بهم الناس ولا يرونها. الحكم يكون شاملاً على الظاهرة عندما تكون واحدة ومتجانسة، وليست متجزأة.
وإذا كان التصوف طريقة للعبادة والزهد فقط! فما الغرض من تسميته التصوف وتعدد المصطلحات الخاصة به؟
ذكر مالك بن نبي: "الذين يعنون بالتصوف السلوك الإسلامي وترقيق القلوب والزهد في الدنيا، يقال لهم لماذا تسمون هذه الأشياء صوفية؟ وقد أصبحت علماً على رموز وأشكال تخالف الإسلام؛ فهل ابتعدتم عن الشبهات وتركتم هذه الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان" [الصوفية ونشأتها/7].
وإذا كان التصوف طريقة للعبادة والزهد فقط! فلماذا يدخل في باب المذاهب الباطنية؟ والباطنية مجوسية الأصل كما يذكر أبو المظفر الإسفرايني: "إن الذين وضعوا دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس، وكان ميلهم إلى دين أسلافهم، ولكنهم لم يقدروا على إظهاره مخافة سيوف المسلمين" [التبصر/84].
قال ابن الفارض:
وإن عبد النار المجوس وما انطفت * * * كما جاء في الأخبار من ألف حجة
فما عبدوا غيري، وإن كان قصدهم * * * سواي، وإن لم يعقدوا عقد نيتي
رأوا ضوء نوري مرة، فتوهموه * * * ناراً فضلوا في الهدى بالأشعة