أما من كان متصوفاً بمعنى الزهد في الحياة الدنيا والتفرغ للعبادة وأداء الفرائض، وعدم الخروج عن كتاب الله وسنة نبيه المصطفى فهذا أمر لا غبار عليه، ولا يعنينا ألبتة! لأن العلاقة بين العابد والمعبود علاقة ثنائية وليست متعددة الأطراف، ولا شأن لنا بها عن قريب أو بعيد. العبادات أمر يعني الإنسان نفسه فقط، وكل نفس رهينة ما تكسب. لكن المعاملات هي التي تخصنا لأنها تهتم بعلاقات البشر بعضهم البعض. لذلك ميز الدين الحنيف بين العبادات والمعاملات من حيث التأثر والتأثير فقط؛ لأن المعاملات تستند أصلاً على العبادات، من حيث الالتزام بها أو التنصل منها.
ذكر الشيخ العلامة محمد الشنقيطي: "لا شك أن من الصوفية من هو على الطريق المستقيم، من العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم تظهر منهم أشياء تخالف الشرع" [أضواء البيان4/502]. منهم عمرو بن عثمان المكي، والحارث المحاسبي، وعبد الله بن خفيف، وإبراهيم بن أدهم، وبشر الحافي والفضيل بن عياض، وأبو سليمان الداراني ومعروف الكرخي والجنيد البغدادي ويوسف بن أسباط، ومعمر بن زياد الأصفهاني، والشيخ عبد القادر الكيلاني الذي قال فيه عبد الله بن قدامة: "ما رأيت أحداً يعظمه الناس للدين، أكثر منه"، ومدحه ابن كثير: "لأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وشدة زهده" ووصف ابن تيمية طريقته في التصوف بأنها "الشرعية الصحيحة".
كذلك الشيخ أحمد الرفاعي - ذاته وليس أصحاب طريقته - فقد أشاد به كبار العلماء المسلمين كابن تيمية الذي وصفه بأنه من "أئمة السلف"، والإمام الذهبي الذي قال فيه مادحاً، وبنفس الوقت منتقداً أتباعه: "لكن أصحابه فيهم الجيد والرديء، وقد كثر الزغل فيهم، وتجددت لهم أحوال شيطانية، منذ أخذت التتار العراق، منها دخول النيران، وركوب السباع، اللعب بالحيات، وهذا ما لم يعرفه الشيخ، ولا صلحاء أصحابه، فنعوذ بالله من الشيطان" [سير أعلام النبلاء21/77].