تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا تأملت ما تلوته عليك أعثرك على معنى قول النحويين رحمهم الله لا يجوز تقديم الخبر على المبتدأ إذا كانا معرفتين معا بل أيهما قدمت فهو المبتدأ، وما قد يسبق على بعض الخواطر من، أن، المنطلق دال على معنى نسبي فهو في نفسه متعين للخبرية وأن دال على الذات فهو متعين للمبدئية تقدم أم تأخر فلا معرج عليه فإن المنطلق لا يجعل مبتدأ إلا بمعنى الشخص الذي له الانطلاق وأنه بهذا المعنى لا يجب كونه خبرا وأن لا يوقع خبرا إلا بمعنى صاحب اسم زيد ويكون المراد من قولنا المنطلق زيد الشخص الذي له الانطلاق صاحب اسم زيد. وأما ما قد يقع من نحو قوله ثم وإن لم أنم كرى كراكا ونحو قوله لعاب الأفاعي القاتلات لعابه مما لا يستقيم معناه إلا بالتقديم والتأخير فحقه الحمل على القلب المتقدم ذكره فاعرفه. واعلم أن القول بتعريف الحقيقة باللام واستغراقها مشكل إذا قلنا بتعريف الحقيقة القصد إليها وتمييزها من حيث هي هي لزم أن يكون أسماء الأجناس معارف فإنها موضوعة لذلك وأنه قول لم يقل به أحد، ولئن التزمه ملتزم ليكذبن في امتناع نحو رجع رجعي السريعة والبطيئة وذكر ذكرى الحسنة أو القبيحة وإنما لم أقل رجوعا السريع وذكرا الحسن قصرا للمسافة في التجنب عن حديث التنوين ما هي ولئن ذهبت على أن في نحو رجل وفرس وثور اعتبار الفردية فليس فيها القصد على الحقيقة من حيث هي هي ليلزمنك المصادر من نحو ضرب وقتل وقيام وقعود ورجعي وذكرى فليس فيها ذلك بالإجماع ولزم أن يكون اللام في الرجل أو نحو الضرب لتأكيد تعريف الحقيقة إذا لم يقصد العهد وأنه قول ما قال به أحد، وإذا قلنا المراد بتعريف الحقيقة القصد إليها حال حضورها أو تقدير حضورها لم يمتر عن تعريف العهد الوارد بالتحقيق أو بالتقدير لأن تعريف العهد ليس شيئا غير القصد على الحاضر في الذهن حقيقة أو مجازا كقولك جاءني فقال الرجل كذا، وقولك انطلق رجل على موضع كذا والمنطلق ذو جد. قال تعالى " وليس الذكر كالأنثى " أي ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، وإذا قلنا المراد بتعريف الحقيقة هو الاستغراق لزم في اللام كونها موضوعة لغير التعريف إذا تأملت ولزم مع ذلك أن يكون الجمع بينها وبين لفظ المفرد جمعا بين المتنافيين وإن صبر في الجمع بينهما على نحو الجمع بين المفرد وبين الواو والنون في نحو المسلمون امتنع لوجوه كثيرة لا تخفى على متقني أنواع الأدب: أوتاها وجوب نحو الرجل الطوال والفرس الدهم أو صحته لا أقل على الاطراد، وكل ذلك على ما نرى فاسد، والأقرب بناء على قول بعض أئمة أصول الفقه بأن اللام موضوعة لتعريف العهد لا غير، هو أن يقال المراد بتعريف الحقيقة أحد قسمي التعريف، وهو تنزيلها منزلة المعهود بوجه من الوجوه الخطابية: إما لأن ذلك الشيء محتاج إليه على طريق التحقيق فهو لذلك حاضر في الذهن فكأنه معهود، أو على طريق التهكم، وستعرف معنى هذا في علم البيان، وإما لأنه عظيم الخطر معقود به الهمم على أحد الطريقين فيبنى على ذلك أنه قلما ينسى فهو لذلك بمنزلة المعهود الحاضر، وإما لأنه لا يغيب عن الحس على أحد الطريقين فيبنى على ذلك حضوره وينزل منزلة المعهود، وإما لأنه جار على الألسن كثير الدور في الكلام على أحد الطريقين فيقام لذلك مقام المعهود، وإما لأن أسبابا في شأنه متآخذة أو غير ذلك مما يجري مجرى هذه الاعتبارات فيقام الحقيقة لذلك مقام المعهود ويقصد إليها بلام التعريف. ثم إن الحقيقة لكونها من حيث هي هي لا متعددة لتحققها مع التوحد ولا لا متعددة لتحققها مع التكثر وإن كانت لا تنفك في الوجود عن أحدهما صالحة للتوحد والتكثر فيكون الحكم استغراقا أو غير استغراق على مقتضى المقام، فإذا كان خطابيا مثل المؤمن غر كريم، والمنافق خب لئيم حمل المعرف باللام مفردا كان أو جمعا على الاستغراق بعلة إيهام أن القصد على فرد دون آخر مع تحقق الحقيقة فيهما يعود على ترجيح أحد المتساويين، وإذا كان استدلاليا حمل على أقل ما يحتمل، وهو الواحد في المفرد والعدد الزائد على الاثنين بواحد في الجمع فلا يوجب في مثل حصل الدرهم إلا واحد، وفي مثل حصل الدراهم إلا ثلاثة، وستقف على هذا في نوع الاستدلال إذا انتهينا إليه بإذن الله تعالى، ومبنى كلامي هذا على أن الاثنين ليسا بجمع فأن عد العالم الواقف على هاتيك الصناعة بسوابقها

مفتاح العلوم · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ٩٣