منه أيضا انظر إليه كيف تجد الفهم والذوق يقتضيانك كمال ارتفاع شأن حاجب الأول وكمال انحطاط حاجب الثاني. وقال تعالى " وعلى أبصارهم غشاوة " فنكر لتهويل أمرها. وقال " ولكم في القصاص حياة " على معنى ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة لمنعه عما كانوا عليه من قتل الجماعة بواحد متى اقتدروا أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لمكان العلم بالاقتصاص أو ما ترى إذا هم بالقتل فتذكر الاقتصاص فأورثه أن يرتدع كيف يسلم صاحبه من القتل وهو من القود فيتسبب لحياة نفسين ولمعنى طلب التعظيم والتهويل بالتنكير قال تعالى " فأذنوا بحرب من الله ورسوله " دون أن يقول بحرب الله ورسوله، ولخلاف ذلك قال " وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر " دون أن يقول ورضوان الله قصدا على إفادة وقدر يسير من رضوانه خير من ذلك كله لأن رضاه سبب كل سعادة وفلاح، وأما قوله " أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن " بالتنكير دون عذاب الرحمن بالإضافة فإما للتهويل وإما بخلافه بمعنى أخاف أن يصيبك نفيان من عذاب الرحمن. وقال " وإن يكذبوك فقد كذبت رسل " المعنى رسل: أي رسل ذو عدد كثير وأولو آيات ونذر وأهل أعمار طوال وأصحاب صبر وعزم وما أشبه ذلك. وأما الحالة التي تقتضي تقديمه على المسند فهي متى كان ذكره أهم. ثم أن كونه أهم يقع باعتبارات مختلفة، إما لأن أصله التقديم ولا مقتضى للعدول عنه وستسمع كلاما في هذا المعنى في آخر الفن الثالث إن شاء الله تعالى، وإما لأنه متضمن للاستفهام كقولك أيهم منطلق وسيقرر في القانون الثاني وإما لأنه الشأن والقصة كقولك هو زيد منطلق وعن قريب تعرف السر في التزام تقدمه وإما لأن في تقديمه تشويقا للسامع على الخبر ليتمكن في ذهنه إذا أورده كما إذا قلت صديقك فلان الفاعل الصانع رجل صدوق وهو إحدى خواص تراكيب الأخبار في باب الذي كما إذا قلت بدل قولك زيد منطلق الذي هو منطلق زيد أو بدل قولك خبر مقدمك سرني الذي هو سرني خبر مقدمك أو الذي خبره سرني مقدمك وهو السبب في التزام تأخير الخبر في هذا الباب وامتناع الأخبار عن ضمير الشأن، والمراد بالأخبار في عرف النحويين في هذا الباب هو أن تعمد على أي اسم شئت فتزحلقه على العجز وتصير ما عداه صلة للذي إن كانت الجملة اسمية، وأما إن كانت فعلية فله أو للألف واللام بمعناه واضعا مكان المزحلق ضميرا عائدا على الموصول مراعيا في ذلك ما أفادك علم النحو مثل أن ضمير الشأن ملتزم التقديم وأن الضمير لا ينصب مفعولا وأن الحال لا يكون معرفا وأن ربط المعنى بالمعنى إذا كان بسبب عود الضمير فلا بد منه وأنا أضرب لك أمثلة لتتحقق جميع ذلك قل في الأخبار عن ضميرك في أظن الذباب يطير في الجو فيغضب أبا زيد الذي يظن الذباب يطير في الجو فيغضب أبا زيد أنا أو الظان الذباب وعن الذباب الذي أظنه يطير في الجو فيغضب أبا زيد الذباب وعن الجو الذي أظن الذباب يطير فيغضب أبا زيد الجو وعن أبي زيد الذي أظن الذباب يطير في الجو فيغضبه أبو زيد وعن زيد الذي وعن زيد الذي أظن الذباب يطير في الجو فيغضب أباه زيد ولا تخبر في قولك هو إكرامي قادما واجب عن ضمير الشأن لئلا يلزم تأخيره الممتنع ولا عن الإكرام لئلا يلزم أعمال الضمير الذي يقع موقعه في ولا عن قادما لئلا يلزم وقوع الضمير الذي هو معرفة موقع الممتنع عن التعريف وهو الحال ولا عن الضمير في واجب لئلا يلزم من عود الضمير القائم مقامه إذا عاد على الموصول كما يجب ترك ربط الخبر بالمبتدأ، وإما لأن يتقوى استناد الخبر إليه على الظاهر كما ستعرفه في الفن الثالث، وإما لأن اسم المسند إليه يصلح للتفاؤل فتقدمه على السامع لتسره أو تسوءه مثل أن تقول سعيد بن سعيد في دار فلان وسفاك بن الجراح في دار صديقك، وإما لأن كونه متصفا بالخبر يكون هو المطلوب كما إذا قيل لك كيف الزاهد فتقول الزاهد يشرب ويطرب وإما لتوهم أنه لا يزول عن الخاطر وأنه يستلذ فهو على الذكر أقرب، وإما لأن تقديمه ينبئ عن التعظيم والمقام يقتضي ذلك وإما لأنه يفيد زيادة تخصيص كقوله:
متى تهزز بني قطن تجدهم ... سيوفا في عواتقهم سيوف
جلوس في مجالسهم رزان ... وإن ضيف ألم فهم خفوف