تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمراد هم خفوف وقوله:

بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنك فيهم غني مضر

مسيخ ملبخ كلحم الخوا ... ر لا أنت حلو ولا أنت مر

وأشباه ذلك. وأما الحالة التي تقتضي تأخيره عن المسند فهي إذا اشتمل المسند على وجه من وجوه التقديم كما سترد عليك في الفن الثالث إن شاء الله تعالى. وأما الحالتان المقتضيتان لإطلاق المسند إليه أو تخصيصه حال التنكير فأنت إذا مهرت فما تقدم استغنيت عن التعريف فيهما.

وأما الحالة المقتضية لقصر المسند إليه على المسند فهي أن يكون عند السامع حكم مشوب بصواب وخطأ وأنت تريد تقرير صوابه ونفي خطئه مثل أن يكون عند السامع أن متمول وجواد فتقول له زيد متمول لا جواد ليعرف أن مقصور على التمول لا يتعداه على الجود أو تقول له ما زيد إلا متمول أو إنما زيد متمول وعليه ما يحكي عز وجل في حق يوسف عن النسوة " ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم " أي أنه مقصور على الملكية لا يتخطاها على البشرية، وما يحكى عن اليهود في قوله " وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون " أي يقولون نحن مقصورون على الصلاح لا يتأتى منا أمر سواه.

واعلم أن القصر كما يكون للمسند إليه على المسند يكون أيضا للمسند على المسند إليه ثم هو ليس مختصا بهذا البين بل له شيوع وله تفريعات، فالأولى أن نفرد للكلام في ذلك فصلا ونؤخره على تمام التعرض لما سواه في قانوننا هذا ليكون على الوقوف عليه أقرب.

واعلم أن جميع ذلك هو مقتضى الظاهر ثم قد يخرج المسند إليه لا على مقتضى الظاهر فيوضع اسم الإشارة موضع الضمير وذلك إذا كملت العناية بتمييزه إما لأنه اختص بحكم بديع عجيب الشأن كقوله:

كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا

هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا

وإما لأنه قصد التهكم بالسامع والسخرية منه كما إذا كان فاقد البصر أو لم يكن ثم مشار إليه أصلا أو النداء على كمال بلادته بأنه لا يميز بين المحسوس بالبصر وغيره أو على كمال فطانته وبعد غور إدراكه بأن غير المحسوس بالبصر عنده كالمحسوس عند غيره أو قصد ادعاء أنه ظهر ظهور المحسوس بالبصر كقوله:

تعاللت كي أشجى وما بك علة ... تريدين قتلي قد ظفرت بذلك

وما شا كل ذلك ويوضع المضمر موضع المظهر كقولهم: ابتداء من غير جرى ذكر لفظا أو قرينة حال رب رجلا ونعم رجلا زيد وبئس رجلا عمرو مكان رب رجل ونعم الرجل وبئس الرجل على قول من لا يرى الأصل زيد نعم رجلا وعمرو بئس رجلا وقولهم هو زيد عالم وهي هند مليحة مكان الشأن زيد عالم والقصة هند مليحة ليتمكن في ذهن السامع ما يعقبه وذلك أن السامع متى لم يفهم من الضمير معنى لقى منتظرا لعقبى الكلام كيف تكون فيتمكن المسموع بعده فضل تمكن في ذهنه وهو السر في التزام تقديمه. قال الله تعالى " قل هو الله أحد " وقال فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب كما يوضع المظهر موضع المضمر إذا أريد تمكين نفسه زيادة تمكين كقوله أن تسألوا الحق نعط الحق سائله وقوله عز قائلا " الله الصمد " بعد قوله " قل هو الله أحد " ونظيره خارج باب المسند إليه " وبالحق أنزلناه وبالحق نزل " وكذا " فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا " وتترك الحكاية على المظهر إذا تعلق به غرض فعل الخلفاء حيث يقولون أمير المؤمنين يرسم لك مكان أنا أرسم وهو إدخال الروعة في ضمير السامع وتربية المهابة أو تقوية داعي المأمور، وعليه قوله تعالى " فإذا عزمت فتوكل على الله " أو فعل المستعطف حيث يقول أسيرك يتضرع إليك مكان أنا أتضرع إليك ليكون أدخل في الاستعطاف وعليه قوله إلهي عبدك العاصي أتا كا وما جرى مجرى هذا الاعتبار.

مفتاح العلوم · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ٨٥