تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب ... فكيف إذا ملم يكن عنه مذهب

هو المهرب المنجي لمن أحدقت به ... مكاره دهر ليس عنهن مهرب

وأما الحالة التي تقتضي كونه علما فهي إذا كان المقام مقام إحضار له بعينه في ذهن السامع ابتداء بطريق يخصه كنحو زيد صديق لك وعمرو عدو لك، وفي قوله:

أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه

وقوله:

الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزيد

قال تعالى " تبت يدا أبي لهب " أو مقام تعظيم والاسم صالح لذلك كما في الكنى والألقاب المحمودة أو إهانة والاسم صالح كالأسامي المذمومة أو كناية مثل قوله " تبت يدا أبي لهب " أي يدا جهنمي أو مقام إيهام أنك تستلذ اسمه العلم أو تتبرك به أو ما شاكل ذلك مما له مدخل في الاعتبار. وأما الحالة التي تقتضي كونه موصولا فهي متى صح إحضاره في ذهن السامع بوساطة ذكر جملة معلومة الانتساب على مشار إليه واتصل بإحضاره بهذا الوجه غرض مثل أن لا يكون لك منه أمر معلوم سواه، أو لمخاطبك فتقول الذي كان معك أمس لا أعرفه والذي كان معنا أمس رجل عالم فأعرفه أو الذين في بلاد الشرق لا أعرفهم أو لا تعرفهم أو لا نعرفهم، أو أن تستهجن التصريح بالاسم، أو أن يقصد زيادة التقرير كما في قوله عز وعلا " وراودته التي هو في بيتها عن نفسه " والعدول عن التصريح باب من البلاغة يصار إليه كثيرا وإن أروث تطويلا. يحكى عن شريح أن رجلا أقر عنده بشيء ثم رجع ينكر فقال له شريح شهد عليك ابن أخت خالتك آثر شريح التطويل ليعدل عن التصريح بنسبة الحماقة على المنكر لكون الإنكار بعد الإقرار إدخالا للعنق في ربقة الكذب لا محالة أو للتهمة، وكذا ما يحكى عنه أن عدي بن أرطاة أتاه ومعه امرأة له من أهل الكوفة يخاصمها، فلما جلس بين يدي شريح قال عدي: أين أنت؟ قال بينك وبين الحائط قال إني امرؤ من أهل الشام قال بعيد سحيق قال وإني قدمت العراق قال خير مقدم قال وتزوجت هذه قال بالرفاء والبنين قال وأنها ولدت غلاما قال ليهنك الفارس قال وأردت أن أنقلها على داري قال المرء أحق بأهله قال قد كنت شرطت لها وكرها قال الشرط أملك قال اقض بيننا قال فعلت قال فعلى من قضيت قال على ابن أمك عدل شريح عن لفظ عليك لئلا يواجهه بالتصريح على ما يشق على المخاصم من القضاء عليه، أو أن تومئ بذلك على وجه بناء الخبر الذي تبنيه عليه فتقول الذين آمنوا لهم درجات النعيم والذين كفروا لهم دركات الجحيم. ثم يتفرع على هذا اعتبارات لطيفة ربما جعل ذريعة على التعريض بالتعظيم كقولك الذي يرافقك يستحق الإجلال والرفع والذي يفارقك يستحق الإذلال والصفع ومنه قولهم جاء بعد اللتيا واللتي، وسيأتيك في فصل الإيجاز معناه، أو بالإهانة كما إذا قلبت الخبر في الصورتين وربما جعل ذريعة على تعظيم شأن الخبر كقوله:

إن الذي سمك السما بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول

وربما جعل ذريعة على تحقيق الخبر كقوله:

إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول

وربما جعل ذريعة على التنبيه للمخاطب على خطأ كقوله:

إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفى غليل صدورهم أن تصرعوا

أو على معنى آخر كقوله:

إن الذي الوحشة في داره ... يؤنسه الرحمة في لحده

وربما قصد بذلك أن يتوجه ذهن السامع على ما سيخبر به عنه منتظرا لوروده عليه حتى يأخذ منه مكانه إذا ورد كقوله:

والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد

وفي هذه الاعتبارات كثرة فحم لها حول ذكائك. وأما الحالة التي تقتضي كونه اسم إشارة فهي متى صح إحضاره في ذهن السامع بوساطة الإشارة إليه حسا واتصل بذلك داع مثل أن لا يكون لك أو لسامعك طريق إليه سواها أو أن تقصد بذلك أكمل تمييز له وتعيين كقوله:

هذا أبو الصقر فردا في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسلم

وقوله

وإذا تأمل شخص ضيف مقبل ... متسربل سربال ليل أغبر

أومى على الكوماء هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحري

وقوله:

ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عبر الحي والوتد

مفتاح العلوم · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ٧٩