هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد
وقوله:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
أو أن يقصد بيان حاله في القرب والبعد والتوسط كقولك: هذا وذلك وذاك، ثم تتفرع على ما ذكر وجوه من الاعتبار مثل أن تقصد بذلك كمال العناية بتمييزه وتعيينه كقوله عز من قائل أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون " أو أن تقصد بذلك أن السامع غبي لا يتميز الشيء عنده إلا بالحس كقول الفرزدق في خطابه جريرا:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
أو أن تقصد بقربه تحقيره واسترذاله كما قالت عائشة يا عجبا لابن عمر هذا محقرة له وهو عبد الله بن عمرو بن العاص وكما يحكيه عز وعلا عن الكفار " ما ذا أراد الله بهذا مثلا " وفي موضع آخر " أهذا الذي بعث الله رسولا " وفي موضع آخر أهذا الذي يذكر آلهتكم " ومنه " وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب " وكما يحكيه القائل عن امرأته:
تقول ودقت نحرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحا المتقاعس
وببعده تعظيمه كما تقول في مقام التعظيم ذلك الفاضل وأولئك الفحول، وكقوله عز وعلا " ألم ذلك الكتاب " ذهابا على بعده درجة وقولها فيما يحكيه جل وعلا " قالت فذلكن " ولم تقل فهذا ويوسف حاضر رفعا لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به واستبعا دا لمحله، ومن التبعيد لقصد التعظيم قوله تعالى " وتلك الجنة التي أورثتموها " أو خلاف تعظيمه كما تقول ذلك اللعين أو ما سوى ذلك مما له انخراط في هذا السلك ولطائف هذا الفصل لا تكاد تنضبط. وأما الحالة التي تقتضي التعريف باللام فهي متى أريد بالمسند إليه نفس الحقيقة كقولك الماء مبدأ كل حي. قال عز من قائل " وجعلنا من الماء كل شيء حي " أي جعلنا مبدأ كل شيء حي هذا الجنس هو جنس الماء يأتي في الروايات أنه جل وعلا خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء والجن من نار خلقها منه وآدم من تراب خلقه منه وكقولك الرجل أفضل من المرأة والدينار خير من الدرهم والكل أعظم من الجزء ونعم الرجل وبئس الرجل، ومن تعريف الجنس قوله:
والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفا ويخفيها مع الكدر
وقوله:
الناس أرض بكل أرض ... وأنت من فوقهم سماء
وقوله عز قائلا " أولئك الذين أتيناهم الكتاب والحكم والنبوة " ولقرب المسافة إذا تأملت بين أن يعرف الاسم هذا التعريف وبين أن يترك غير معرف به يعامل معرفه كثيرا معاملة غير المعرف قال:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
فعرف اللئيم، والمعنى ولقد أمر على لئيم من اللئام ولذلك تقدر يسبني وصفا لا حالا وله في القرآن غير نظير، أو العموم والاستغراق كقوله عز وعلا " إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " وقوله " السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " وقوله ولا يفلح الساحر حيث أتى " أو كان المسند إليه حصة معهودة من الحقيقة كما إذا قال لك قائل جاءني رجل من قبيلة كذا أو رجلان أو رجال فتقول له الرجل الذي جاءك أعرف أو الرجلان اللذان جاآك أو الرجال الذين جاءوك وفي التنزيل " وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم فجمع السحرة " وفي موضع آخر " كما أرسلنا على فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول " وتقرير ما ذكرنا من إفادة اللام الاستغراق أو العهد يذكر في الفن الثالث إن شاء الله تعالى. وأما الحالة التي تقتضي التعريف بالإضافة فهي متى لم يكن للمتكلم على إحضاره في ذهن السامع طريق سواها أصلا كقولك غلام زيدان لم يكن عندك منه شيء سواه أو عندك سامعك أو طريق سواها أخضر، والمقام مقام اختصار كقوله:
هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب مجثماني بمكة موثق
أو لأن اضافته حصول مطلوب آخر مثل أن تغني عن التفصيل المتعذر أو الأولى تركه بجهة من الجهات كقوله:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود في غيل خفان أشبل
وقوله:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
وقوله:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
وقوله:
قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة ... وللسبع خير من ثلاث وأكثر