أو يذكر احتياطا في إحضاره في ذهن السامع لقلة الاعتماد بالقرائن أو للتنبيه على غباوة السامع أو لزيادة الإيضاح والتقرير، أو لأن في ذكره تعظيما للمذكور، أو إهانة له كما يكون في بعض الأسامي والمقام مقام ذلك، أو يذكر تبركا به واستلذاذا له كما يقول الموحد الله خالق كل شيء ورازق كل حي أو لأن إصغاء السامع مطلوب فيبسط الكلام افتراضا بسط موسى إذ قيل له " وما تلك بيمينك " وكان يتم الجواب بمجرد أن يقول عصا، ثم ذكر المسند إليه وزاد فقال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى ونظيره في البسط نعبد أصناما فنظل لها عاكفين " قد بسطوا الكلام ابتهاجا منهم بعبادة الأصنام وافتخارا بمواظبتها منحرفين عن الجواب المطابق المختصر وهو أصناما، أو لأن الأصل في المسند إليه هو كونه مذكورا أو ما جرى هذا المجرى. وأما الحالة التي تقتضي تعرفه فهي إذا كان المقصود من الكلام إفادة السامع فائدة يعتد بمثلها، والسبب في ذلك هو أن فائدة الخبر لما كانت هي الحكم أو لازمه كما عرفت في أول قانون الخبر ولازم الحكم وهو أنك تعلم الحكم أيضا، ولا شبهة أن احتمال تحقق الحكم متى كان أبعد كانت الفائدة في تعريفه أقوى ومتى كان أقرب كانت أضعف، وبعد تحقق الحكم بحسب تخصيص المسند إليه والمسند كلما ازداد تخصصا ازداد الحكم بعدا، وكلما ازداد عموما ازداد الحكم قربا، وإن شئت فاعتبر حال الحكم في قولك شيء ما موجود، وفي قولك فلان بن فلان حافظ للتوراة والإنجيل يتضح لك ما ذكرت. ثم إن تخصص المسند إليه إما أن يكون لكونه أحد أقسام المعرفات فحسب وهي المضمرات الأعلام المبهمات: أعني الموصولات وأسماء الإشارة المعرفات باللام المضافات على المعارف إضافة حقيقية مع القيد المذكور في علم النحو أو لما زاد على ذلك من كونه مصحوبا بشيء من التوابع الخمسة والضمير المسمى فصلا، وإما أن يكون لا لما ذكر كما ستقف عليه، ولكل من ذلك حالة تقتضيه. وأما الحالة التي تقتضي كونه مضمرا فهي إذا كان المقام مقام حكاية كقوله:
أنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صدرا منها و لا أرد
وقوله:
أنا المرعث لا أخفي على أحد ... ذرت بي الشمس للقاصي وللداني
وقوله:
ونحن التاركون لما سخطنا ... ونحن الآخذون لما رضينا
وقوله:
ونحن بنو عم على ذاك بيننا ... زرابي فيها بغضة وتنافس
ونحن كصدع العس إن يعط شاعبا ... يدعه وفيه عيبه متناحس
أو مقام خطاب كقوله:
يا ابن الأكارم من عدنان قد علموا ... وتالد المجد بين العم والخال
أنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتمسك لأرض من خسف وزلزال
وقوله:
قد كان قبلك أقوام فجعت بهم ... خلى لنا هلكهم سمعا وأبصارا
أنت الذي لم تدع سمعا ولا بصرا ... إلا شفا فأمر العيش إمرارا
وقوله:
وأنت الذي كلفتني دلج السرى ... وجون القطا بالجهلتين جثوم
وقولها:
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
وحق الخطاب أن يكون مع مخاطب معين ثم يترك على غير معين كما تقول فلان لئيم إن أكرمته أهانك وإن أحسنت إليه أساء إليك فلا تريد مخاطبا بعينه كأنك قلت إن أكرم أو أحسن إليه قصدا على أن سوء معاملته لا يختص واحدا دون واحد، وأنه في القرآن كثير يحمل قوله تعالى " ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم " على العموم قصدا على تفظيع حال المجرمين وأن قد بلغت من الظهور على حيث يمتنع خفاؤها ألبتة فلا تختص رؤية راء دون راء بل كل من يتأنى منه الرؤية فله مدخل في هذا الخطاب وكذا أمثال له، أو كان المسند إليه في ذهن السامع لكونه مذكورا أو في حكم المذكور لقرائن الأحوال ويراد الإشارة إليه كنحو قوله:
من البيض الوجوه بني سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاءوا
هم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا
وقوله:
بيمن أبي إسحق طالت يد العلا ... وقامت قناة الدين واشتد كاهله
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والبر ساحله
وقوله: