والقسم الثالث وهي الجازمة خمسة أحرف، وهي ضربان: ضرب يلزم المضارع، وهي أربعة لم وهي لنفي فعل تدخل على المضارع فتنفيه وتقلب معناه على المضي، وأصله عند الفراء رحمه الله لا جعلت الألف ميما ويجوز لم أضرب، ولما وهي لنفي قد فعل تدخل على المضارع فتصنع صنيع لم مع إفادة الامتداد وأصله عند النحويين لم ما ويسكت عليه عند الدلالة دون لم فيقال خرجت ولما ولا للنهى ولام الأمر. وضرب يجري مجرى اللازم للمضارع وهو إن للشرط والجزاء تقول إن تضرب أضرب وإن ضربت ضربت وإن ضربت أضرب بالجزم تارة وأضرب بالرفع أخرى توصلا إليه ببعده عن الجازم مع فوات عمل ذلك في القريب منه ظاهرا وإن كان للضرورة، وإن في الاستعمال تظهر مرة كما ذكرت وتضمر أخرى وذلك في خمسة مواضع لدلالتها عليه وهي ما بعد الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض فيجزم الفعل فيها إذا لم يلزم شرط لإضمار وهو أن يكون المضمر من جنس المظهر تناف في الكلام أما إذا لزم كنحو لا تدن من الأسد يأكلك فلا وليس لأحد أن يظن بالنفي دلالة على الشرط في موضع لانعقاد التنافي بينهما بالجزم دائما من حيث لزوم عدم الشك النفي وثبوته الشرط ولذلك استقبحوا إن احمر البسر كان كذا وإن طلعت الشمس آنك إلا في يوم المغيم وبنوا صحة قولهم إن مات فلان كان كذا على استلزامه الشك في أي وقت عين له هذا إذا ذكر الفعل فيها لمعنى الجزاء أما إذا ذكر على سبيل التعديد من حيث الظاهر ويسمى قطعا واستئنافا أو لإثبات معناه لمنكر فيها ويسمى صفة أو لمعرف ويسمى حالا فليس إلا الرفع والمعطوف على المجزوم أو على ما هو في موضعه بالفاء أو بالواو أو بثم من نحو إن تكرمني أكرمك فاخلع عليك وإن تشتمني فلأترك لك وأضربك أو ثم أضربك إن حمل على الابتداء على معنى فأنا أخلع عليك وأنا أضربك ثم أنا أضربك رفع.
فصل
ومن شأنه استلزام الفاء في الجزاء إذا كان أمرا أو نهيا أو ماضيا لا في معنى الاستقبال أو جملة اسمية أو محمولة على الابتداء كما سبق آنفا أو بدل الفاء إذا اللهم إلا في ضرورة الشعر مع ندرة كنحو:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
ومن شأنه أن يليه الفعل لا محالة ظاهرا أو تقديرا وأن لا يتقدم عليه شيء مما في حيزه ولهذا قالوا في آتيك إن تأتني إن الجزاء محذوف وآتيك قبله كلام وارد على سبيل الأخبار وامتناعهم انجزامه منبه على ذلك قوى.
والقسم الرابع وهي الناصبة للفعل أربعة عند سيبويه ومن تابعه: أحدها أن وهو يفيد معنى المصدر ويخصص المضارع بالاستقبال وأنه في الاستعمال يظهر تارة ويضمر أخرى إما واجبا وذلك بعد خمسة أشياء: لام تأكيد النفي كما في قوله تعالى " وما كان الله ليعذبهم " وفاء جواب الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض كنحو ائتني فأكرمك ولا تشتمني فأشتمك وما تأتينا فتحدثنا بمعنى ما تأتينا فكيف تحدثنا: أي لا إتيان ولا حديث كنحو:
ولا ترى الضب بها ينجحر
أي لا ضب ولا انجحار أو ما تأتينا للحديث: أي منك إتيان ولكن لا حديث وأين بيتك فأزورك وليت لي مالا فأنفق ألا تنزل فتصيب خيرا وواو الجمع كنحو لا تأكل السمك وتشرب اللبن وتسمى واو الصرف: أي تصرف إعراب الثاني عن الأول وأو بمعنى إلا أو على كنحو لألزمنك أو تعطيني حقي وحتى كنحو سرت حتى أدخلها، وإما جائزا قياسيا وذلك بعد لام الغرض كنحو أتيتك لتكرمني مما إذا لم يكن هناك لا فإن كان وجب الإظهار كنحو لئلا تكرمني، أو غير قياسي وذلك فيما عداه، وأما حذفه كنحو قولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه فغير ممتنع وقد جاء ترك إعمالها في قوله
أن تقرآن على أسماء ويحكما
وفي قراءة مجاهد أن يتم الرضاعة.
فصل
ولاقتضاء أن مع المضارع الاستقبال إذا أريد الحال في موضع مما ذكر امتنع تقديره هناك ثم إذا ساغ الاستئناف والاشتراك: أعني العطف على مرفوع كان الرفع والعطف أينما ساغ استلزم حكمه وهو الاشتراك في الإعراب كيف كان فتأمل جميع ذلك، والثاني والثالث من الأربعة كي للغرض ويقال لكي وكيما ولكيما ويأتي في الشعر إظهار أن بعد ذلك. قال حميد:
فقالت أكل الناس أصبحت مانحا ... لسانك كيما أن تغر وتخدعا
وقال الآخر:
أردت لكيما أن تطير بقربتي ... فتتركها شنا ببيداء بلقع