إن هؤلاء ربما طعنوا في القرآن من حيث اللفظ قائلين فيه مقاليد جمع إقليد وهو معرب كليد وفيه إستبرق وهو معرب إسطبر وفيه سجل وأصله سنك كل فأنى يصح أن يكون فيه هذه المعربات، ويقال قرآن عربي مبين فنقول قدروا لجهلكم بطرق الاشتقاق وأصول علم الصرف أن لا مجال لشيء مما ذكرتم في علم العربية أفجهلتم نوع التغليب فما أدخلتموها في جملة كلم العرب من باب إدخال الأنثى في الذكور وإبليس في الملائكة على ما سبق وربما طعنوا فيه من حيث الإعراب قائلين فيه إن هذان لساحران. وصوابه أن هذين لوقوعه اسما لأن وفيه إن الذين آمنوا والذين آمنوا والذين هادوا والصائبون وصوابه والصائبين لكونه معطوفا على اسم أن قبل مضي الجملة، وفيه لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة وصوابه والمقيمون لكون المعطوف عليه مرفوعا لا غير وفيه قواريرا قوارير وسلاسلا وأغلالا وصوابهما قوارير وسلاسل غير منونين لامتناعهما عن الصرف، وهذه وأمثالها مما يقال فيها لصاحبها سمعت شيئا وغابت عنك أشياء أخدم علم النحو يطلعك على استقامة جميع ذلك وربما طعنوا فيه من جهة المعنى بأنحاء مختلفة: منها أنهم يقولون أنتم تدعون أن القرآن معجز بنظمه وأن نظمه غير مقدور للبشر وتعتقدون أن الجن والإنس لئن اجتمعوا على أن يأتوا بثلاث آيات لا يقدرون على ذلك وتحتجون لذلك بأن أهل زمان النبي كانوا الغاية في الفصاحة والبلاغة ثم تحدوا تارة بعشر سور وأخرى بواحدة بالإطلاق وفي السور إنا أعطيناك فلو أنهم قدروا على مقدارها وهي ثلاث آيات لكانوا بالمتحدى به وقرآنكم يكذبكم في ذلك ويشهد أن نظم الآيات الثلاث بل الثلاثون بل الأكثر لا يعوز الفصيح فصلا أن يعوذ الأفصح ولو كان وحده فضلا إذا ظاهره الإنس والجن فإما دعواكم باطلة وإما شهادة قرآنكم كاذبة ووجه شهادته لما ذكرنا أن في قرآنكم حكاية عن موسى وأخي هرون هو أفصح مني لسانا ثم فيه حكاية عن موسى قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري على قوله إنك كنت بنا بصيرا وهذه إحدى عشرة آية فإذا قدر فصيح واحد على نظم إحدى عشرة آية في موضع واحد أفلا يكون الأفصح أقدر وإن كان واحدا على أكثر فكيف إذا ظاهره في ذلك الإنس والجن فيقال لهم متى صح أن ينزل ما تقوله على لسان صاحبك من معنى على لسان نسق مخصوص إذا سمعه قال كنت أريد أن أقول هكذا وما كان يتيسر لي منزلة قوله المقول اندفع الطعن، على أن القول المنصور عندنا في المتحدى به إما سورة من الطوال وإما عشر من الأوساط، ومنها أنهم يقولون أنا نرى المعنى يعاد في قرآنكم في مواضع إعادة على تفاوت في النظم بين حكاية وخطاب وغيبة وزيادة ونقصان وتبديل كلمات فإن كان النظم الأول حسنا لزم في الثاني الذي يضاد الأول بنوع من الزيادة أو النقصان أو غير ذلك أن يكون دونه في الحسن، وفي الثالث الذي يضاد الأولين بنوع مضادة أن يكون أدون وقرآنكم مشحون بأمثال ما ذكر فكيف يصح أن يدعى في مثله أن كله معجز والإعجاز يستدعي كونه في غاية الحسن لا أن يكون دونها بمراتب، من ذلك ما ترى في سورة آل عمرا ن كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب وفي سورة الأنفال " كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب " وبعده كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين فنقول لهم الذي ذكرتموه من لزوم التفاوت في الحسن يسلم لكم إذا فرض ذلك التفاوت في المقام الواحد لامتناع انطباق المتضادين على شيء واحد أما إذا تعدد المقام فلا لاحتمال المقامات وصحة انطباق كل واحد على مقامه، ونحن نبين لكم انطباق ما أوردتموه من السور الثلاث على مقاماتها بإذن الله تعالى ليكون ذلك للمتدبر مثالا فيما سواه يحتذيه ومنارا ينتحيه فنقول كان أصل الكلام يقتضي أن يقال إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم منا شيئا وألئك هم وقود النار كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذناهم بذنوبهم ونحن شديد والعقاب لأن الله تعالى يخبر عن نفسه والأخبار عن النفس كذا يكون، وكذلك كان يقتضي أن يقال في سورة الأنفال المنزلة عقيب هذه السورة سورة آل عمرا ن كدأب آل
مفتاح العلوم · الصفحة ٢٤٤
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ٢٤٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي