فرعون والذين من قبلهم كفروا بآياتنا فأخذناهم بذنوبهم أننا أقوياء شديد والعقاب ذلك بأننا لم نكن مغيري نعمة أنعمناها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأننا سميعون عليمون كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون لكن تركت الحكاية في لفظ منا على لفظ الغيبة في من الله تعالى على سبيل التغليظ وزيادة تقبيح الحال ثم تركت الغيبة في كذبوا بآيات الله على الحكاية في لفظ بآياتنا تطبيقا لجميع ذلك على قوله " إن الذين كفروا " متروك المفعول، وذلك أنه حين ترك المفعول احتمل الغيبة وهو أن يكون المراد إن الذين كفروا بالله على سبيل إظهار التعظيم في لفظ الغيبة كما تقول الخلفاء يشير الخليفة على كذا ويشير أمير المؤمنين واحتمل أيضا الحكاية لأن أصل الكلام يقتضيها وأن تكون بلفظ الجماعة لإظهار التعظيم أيضا ويكون المراد كفروا بآياتنا فلما احتمل الوجهين طبق عليهما من بعد ذلك ولما كان لفظة الله مع لفظة الكفر حال إرادة التغليظ آثر قيل بعد قوله كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله دون أن يقال منا وحين أوثرت الغيبة هاهنا تعينت الحكاية في كذبوا بآياتنا ثم لما وفي الكلام حقه في الاعتبارين رجع على الغيبة فقيل فأخذهم الله دون أن يقال فأخذناهم لما كان في لفظة الله ها هنا من زيادة المطابقة لموضعه ألا ترى أنه لو قيل فأخذناهم لكان تابعا لقوله كذبوا بآياتنا وكان ظاهر الكلام أن الآخذ هو المكذب بآياته وحيث قيل فأخذهم الله تبع قوله كفروا بآيات الله فصار ظاهر الكلام أن الآخذ هو المكفور به ففي الأول المأخوذ وصفه مكذب بآيات الله، وفي الثاني وصفه كافر بالله ولا شبهة أن الثاني آكد، ثم قيل " فأخذهم الله بذنوبهم " وأريد تذييل الكلام طبق على لفظة الله فقيل " والله شديد العقاب " وأما قوله في سورة الأنفال " كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله " فلم يقل بآياتنا إذ لم يكن قبله ما يحتمل الحكاية مثل احتمال ما نحن فيه لها، ألا ترى أنه ليس هناك إلا قوله " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا " ويكون الملائكة يضربون وجوههم كلاما مستأنفا مبنيا على سؤال مقدر كأنه قيل ماذا يكون حينئذ، فقيل الملائكة يضربون فلا يحتمل على هذا التقدير إلا الغيبة وهو " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا به " وإنما يحتمل الحكاية على التقدير الآخر في أحد الوجهين فلا يخفي ضعفه فلضعف احتمال الحكاية تركت وبني الكلام على الغيبة، وأما اختيار لفظة كفروا على لفظ كذبوا فلأن الآية وهي " كدأب آل فرعون " لما أعيدت دلت إعادتها على أن المراد التأكيد لبيان قبح حالهم فكان التصريح بالكفر أوقع، ولما صرح بالكفر بعد التأكيد بالإعادة لا جرم أكد الكلام بعد ذلك فقيل " إن الله قوي شديد العقاب " وأما قوله تعالى ثالثا " كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم " فتركت الحكاية للوجه المذكور في كفروا بآيات الله، وأما اختيار لفظة كذبوا على كفروا فلأن هذه الآية لما بنيت على قوله " ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " وكان المعنى ذلك العذاب أو ذلك العقاب كان بسبب أن غيروا الإيمان على الكفر فغير الله الحكم بل كانوا كفارا قبل بعثة الرسل وبعدهم وإنما كان تغير حالهم أنهم كانوا قبل بعث الرسل كفارا فحسب وبعد بعثة الرسل صاروا كفارا مكذبين فبناء هذه الآية على قوله " ذلك بأن الله لم يك مغيرا " اقتضى لفظة كذبوا بآيات ربهم، وما اختيار لفظ الرب على الله فلأنه صريح في معنى النعمة فلما غيروا بتضاعف الكفر وهو التكذيب اقتضى التصريح بما يفيد زيادة التشنيع، وأما الحكاية في فأهلكناهم فللتفنن في الكلام ولئلا يخلو عما هو أصل الكلام. ومنها أنهم يقولون أدنى درجات كون الكلام معجزا أن لا يكون معيبا وقرآنكم معيب فأنى يكون صالحا للإعجاز، ويقولون في الآيات المتشابهة قدروا أنها تستحسن فيما بين البلغاء لمجازاتها واستعاراتها وتلويحاتها وإيماآتها وغير ذلك وكن جهاتها في الحسن هناك إذا استتبعت مضادة المطلوب بتنزيله إغواء الخلق بدل الإرشاد أفلا يكون هذا عيبا واستتباعها للإغواء ظاهر وذلك أنكم تقولون أن القرآن كلام مع الثقلين وتعلمون أن فيهم المحق والمبطل والذكي والغبي فيقولوا إذا سمع المجسم " الرحمن على العرش استوى
مفتاح العلوم · الصفحة ٢٤٥
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ٢٤٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي