وما يحكى أن ذا الرمة استفرد جريرا في قصيدته التي مستهلها:
نبت عيناك عن طلل بحزوى ... عفته الريح وامتنح القطارا
فأرفده عدة أبيات لها، وهي هذه:
يعد الناسبون على تميم
بيوت المجد أربعة كبارا
يعدون الرباب وآل بكر
وعمرا ثم حنظلة الخيارا
ويذهب بينها المرئي لغوا
كما ألغيت في الدية الحوارا
فضمنها القصيدة، وهي اثنتان وخمسون قافية ثم مر به الفرزدق فاستنشهده إياها فأخذ ينشدها والفرزدق يستمع لا يزيد على الاستماع حتى بلغ هذه الأبيات الثلاثة استعادها منه الفرزدق مرتين ثم قال له والله علكهن من هو أرشد لحيين منك، وما يحكى أن عمر بن لحاء أنشد جريرا شعرا فقال ما هذا شعر شعرك هذا شعر حنظلي ولا تسل عن فطانتهم المنتبهة على الزمزمة اللطيفة وحدة نظرهم الدراكة للمحة الضعيفة كما يترجم عن ذلك الروايات عنهم المشهورة، يروى أن فزاريا ونمريا تسايرا فقال الفزاري للنميري غض لجام فرسك فقال إنها مكيوتة وإنما أراد الفزاري ما قيل في بني نمير:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وإنما عني النميري ما قيل في بني فزارة
لا تأمن فزاريا ياخلوت به ... على قلوصك وأبكتها بأسيار
وأن واحدا من بني نمير وهو شريك النميري لقي رجلا من تميم فقال له التميمي يعجبني من الجوارح البازي، قال شريك وخاصة ما يصيد القطا، أراد التميمى بقوله البازي:
أنا البازي المطل على نمير ... أتيح من السماء له انصبابا
وعني شريك بذكر القطا قول الطرماح:
تميم بطرق اللؤم أهدي من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت
وأن معاوية قال للأحنف ما الشيء الملفف في البجاد فقال السخينة وإنما أراد معاوية قول القائل:
إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمن ... أو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف في الآفاق حرصا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
وكان الأحنف من تميم، وإنما أراد الأحنف بالسخينة وهي حساء يؤكل عند غلاء السعر وكانت قوم معاوية تقتصر عليه رماهم بالبخل. وأن رجلا من بني محارب دخل على عبد الله بن يزيد الهلالي فقال عبد الله ما لقينا البارحة من شيوخ محارب ما تركونا ننام، وأراد قول الأخطل:
تكش بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر
فقال أصلحك الله أضلوا البارحة برقعا فكانوا في طلبه، أراد قول القائل:
لكل هلالي من اللؤم برقع ... ولابن يزيد برقع وجلال
وأن رجلا وقف على الحسن بن الحسن البصري رحمهما الله فقال أعتمر أخرج أبادر فقال كذبوا عليك ما كان ذلك فإن السائل أراد أعثمان أخرج أباذر، وأن الحسن بن وهب نهض ذات ليلة من مجلس ابن الزيات فقال سحير أي بت بخير فقال له ابن الزيات بنية: أي بت به، وما ظنك بكياسة جيل قد بلغت من الدهاء نساؤهم على حد نقدهن للكلام ما يحكى أنشدت واحدة وكانت الخنساء:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فقالت أى فخر يكون في أن له ولعشيرته ولمن ينضوي إليهم من الجفان ما نهايتها في العدد عشر وكذا من السيوف ألا أستعمل جمع الكثرة الجفان والسيوف وأي فخر في أن تكون جفنة وقت الضحوة وهو وقت تناول الطعام غراء لامعة كجفان البائع أما يشبه أن قد جعل نفسه وعشيرته بائعي عدة جفنات ثم أنى يصلح للمبالغة في التمدح بالشجاعة وأنه في مقامها يقطرن دما كان يجب أن يتركها على أن يسلن أو يفضن أو ما شاكل ذلك، وقد اجتمع راوية جرير، وراوية كثير، وراوية نصيب وأخذ يتعصب كل واحد لصاحبه ويجمع له في البلاغة قصب الرهان فحكموا واحدة وكانت السيدة سكينة فقالت لراوية جرير. أليس صاحبك القائل:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعي بسلام
وأي ساعة أولى بالزيارة من الطروق، قبح الله صاحبك وقبح شعره ثم قالت لراوية كثير أليس صاحبك الذي يقول:
يقر بعيني ما يقر بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرت