وكما اتفق التزامه في اختلاف الوصل في القطعة التي يرويها الأصمعي عن أعرابي بالبادية كان يصلي ويقول، وهي:
أتنعم أولاد المجوس وقد عصوا ... وتترك شيخا من سراة تميم
فإن تكسني ربي قميصا وجبة ... أصلي صلاتي كلها وأصوم
وإن دام لي العيش يا رب هكذا ... تركت صلاة الخمس غير ملوم
أما تستحي يا رب قد قمت قائما ... أناجيك عريانا وأنت كريم
فانصف كيف كسر شوكة العيب، ولنكتف بهذا القدر من فصول من النظم منتقلين عنها على الفن الثاني وأنه خاتمة مفتاح العلوم في إرشاد الضلال بدفع ما يطعنون به في كلام رب العزة علت كلمته من جهات جهالاتهم، ونحن نقدم كلاما يكشف لك عن ضلالهم في مطاعنهم على سبيل الإطلاق ثم نتبعه الكلام المفصل بعون الله تعالى، نقول لهؤلاء وإنا لنعرف مرمى غرضهم فيما يريشون من النبال يمنون ما دون نيله خرط القتاد بل ضرب أسداد على أسداد " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون " قدروا معشر الضلال إذ عشش الجهل في نفوسكم وباض وفرخ الباطل في ضمائركم وعميتم أبصارا وبصائر فما اهتديتم تقديرا باطلا أن محمدا عليه السلام ما كان نبيا وقدروا أن القرآن كلامه أفعميتم أن تدركوا ضوء النهار بين أيديكم ان قد كان أفصح العرب وأملكهم لزمام الفصاحة والبلاغة غير مدافع ولا منازع وكلام مثله حر أن يجل عن الانتقاد فضلا أن يحدو لثامه عن الزيف لدى النقاد فالقرآن الذي زعمتموه كلامه أما كان يقتضي بالبيت أن يكون أحرى كلامه على الاستقامة لفظا وإعرابا وفصاحة وبلاغة وسلامة عن كل مغمز وحقيقا بأن يكتب على الحدق بذوب الذهب فإذ قد جهلتم حقه هناك أما اقتضى لا أقل أن يلين شكيمتكم ليخلص منكم كفافا لا عليه ولا له ثم قدروا حيث أعماكم الخذلان وأمطاكم ظهر السفه أنه ما كان أفصح العرب وأنه كآحاد الأوساط قد تعمد ترويج كلامه، أما كان لكم في أنه مروج والعياذ بالله وازع يزعكم أن تجازفوا فالمروج كما لا يخفى وإن صادف الشمل سكرى تدير عليهم الغباوة كؤوسها وجثثا تغرز في سنة من الغفلة رءوسها يحتاط فيما يتعمد رواجه عليهم لا يألوا فيه تهذيبا وتنقيحا فكيف إذا صادفه مشتملا على إيقاظ متفطنين لا يبارون قوة ذكائه وإصابة حدس وحدة ألمعية وصدق فراسة يخبرون عن الغائب بقوة ذكائهم كأن قد شاهدوه يصف لهم الحدس الصائب حال الورد قبل أن يردوه ويثبتون أبعد شيء بحدة ألمعيتهم كأن ليس ببعيد وينظم لهم المجهول صدق فراستهم في سلك المعروف منذ زمان مديد كما يحكى أن سليمان بن عبد الملك أتى بأسارى من الروم وكان الفرزدق حاضرا فأمره سليمان بضرب واحد واحد منهم فاستعفى فما أعفى وقد أشير على سيف غير صالح للضرب ليستعمله فقال الفرزدق بل أضرب بسيف أبي رغوان مجاشع: يعني سيفه وكأنه قال لا يستعمل ذلك السيف إلا ظالم أو ابن ظالم ثم ضرب بسيفه الرومي واتفق أن نبا السيف فضحك سليمان ومن حوله فقال الفرزدق:
أيعجب الناس أن أضحكت سيدهم ... خليفة الله يستسقى به المطر
لم تنب سيفي من رعب ولا دهش ... عن الأسير ولكن أخر القدر
ولن يقدم نفسا قبل ميتتها ... جمع اليدين ولا الصمامة الذكر
ثم أغمد سيفه وهو يقول:
ما إن يعاب سيد إذا صبا
ولا يعاب صارم إذا نبا
ولا يعاب شاعر إذا كبا
ثم جلس يقول كأني بابن المراغة قد هجاني فقال:
بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
وقام وانصرف وحضر جرير فخبر ولم ينشد الشعر فأنشأ يقول:
بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
فأعجب سليمان ما شاهد ثم قال يا أمير المؤمنين كأني بابن القبر قد أجابني فقال:
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
ثم أخبر الفرزدق بالهجو دون ما عداه فقال مجيبا:
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحيانا مناط التمائم
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
وهل ضربة الرومي جاعلة لكم ... أبا عن كليب أو أخا مثل دار