وغير ذلك مما ترى المتأخرين قد تعاطوها وسموها بأسام مفتقرين هدى الخليل إذا أنت طالعتها لم تخف عليك المداخل والمخارج هنالك ثم إذا مددت لطبعك استقامة طبع وخدمت أنواعا أخر اطلعت على أن هذا النوع أعني علم العروض نوع إذا أنت رددته على الاختصار احتمله وإذا أنت حاولت الإطناب فيه امتد وكاد أن لا يقف عند غاية لقبوله من التصرف فيه نقصانا وزيادة ما شاء الطبع المستقيم. فإذ قد تلونا عليك ما اقتضانا الرأي تلاوته منه فحري أن نفي بما سبق به الوعد من الكلام في ترتيب الدوائر وترتيب البحور فيهن المستقرأة على النسق المذكور. اعلم أن مبنى فروع الأصول في هذه الصناعة، ولواحق سوابقها على النقصان لا على الزيادة وإن شئت أن تتحقق ذلك فعليك بفروع الأصول كالمجزو والمشطور والمنهوك والموحد، ثم كالمضمر والمعضوب والموقوف، وكالمخبون والمطوي والمقبوض والمكفوف، وكالمشعث والمكسوف، وكالمقصور والمقطوع، وكالمخبول والمشكول، وكالمحذوف والمقطوف والأحذ والأصلم والأبتر. وإن اعترضك المذال والمسبغ والمرفل، فانظر أين تجد ذلك إن وجدته لا يجري إلا حيث يكون جزءا ساقطا فهو جار مجرى التعويض فلا تعده زيادة وإذا تحققت ذلك فنقول: تعين النقصان للفرع يستتبع تعين الأصالة للكمال وللأصل حق التقدم على الفرع فبحكم هذه الاعتبارات ناسب في هذا النوع تقديم الأكمل فالأكمل فروعيت تلك المناسبة، فلزم تقديم الدائرة المختلفة على ما سواها لكون بحورها أتم بحور عدد حروف لاشتمال كل بحر منها على ثمانية وأربعين حرفا، ولزم تأخير الدائرة المنفردة عن الكل لكون بحرها أنقص البحور عدد حروف لاشتماله على أربعين حرفا، ولزم توسط الدوائر الثلاث الباقية لاشتمال كل بحر من بحورهن على اثنين وأربعين حرفا، ثم لزم تقديم المؤتلفة منهن على أختيها لكون كل واحد من بحريها أتم من بحور أختيها عدد حركات لاشتمال كل واحد منهما على ثلاثين حركة، واشتمال كل واحد من أولئك على أربع وعشرين والسكون في هذا النوع معدود في جانب العدم فلا يوضع في مقابلة الحركة فاعرفه، ثم ناسب إيلاء المجتلبة المؤتلفة لمزيد التناسب بينهما في أن كل واحدة منهما تتم أصل البيت بست دورات فترتيب الدوائر على ما ترى المختلفة ثم المؤتلفة ثم المجتلبة ثم المشتبهة ثم المنفردة. وأما تقديم ما يقدم من البحور في الدوائر فالطويل نظرا على أركان الأفاعيل المبدوء بها وأعني بالأركان الأسباب والأوتاد والفواصل يقدم على أخويه لكون ركنه الأول وهو فعو أتم من ركني أخويه وهما فاومس والهزج أيضا يقدم على أخويه لذلك، وأما الكامل فإنما يؤخر عن الوافر لأن صحة إضماره يبرزه في معرض ماركنه الأول سبب خفيف حكما وصحة إجراء الخبن عليه منبه على ذلك، وكذا امتناعه عن الخرم امتناع ما أوله سبب خفيف على الرأي الصواب ولا يقف على هذا إلا النحوي المتقن حيث لا يبنى على السكون الضمير في غلامك أو التصريفي الماهر حيث لا يجوز الإلحاق بالألف في حشو الكلمة أو صاحب الطبع المستقيم في باب الاستدلال أو غيره ممن يفهم باب قولنا امتنع كذا لأدائه على الممتنع حكما، وقولي على الرأي الصواب احتراز عن رأى من يجوز الخرم في مخبون مستفعلن مستشهدا بقوله:
هل جديد على الأيام من باق ... أم هل لما لا يقيه الله من واق
وأما تقديم السريع فلأن دائرته تضمنت وتدا مفروقا بخلاف سائر الدوائر وارتكاب المخالف لا يصار إليه إلا لعذر وأنه في السريع أكمل منه في غيره لأن أركان السريع ممتنع أن تؤلف على وجه من الوجوه تأليفا يخرج الوتد المفروق عن كونه مفروقا على كونه مجموعا أو سببا خفيفا بخلاف ما سواه فتأمله فيلزم تقديم السريع، وأما استدعاء المضارع فيها للتقدم بجهة ركنه الأول أتم فضعف للزوم النقصان له في الأجزاء حين لا يستعمل إلا مجزوا مراقبا.
فصل وإذ قد وفينا بما كنا وعدنا فحري أن نختم الكلام في علم العروض بهذه الخاتمة، وهي ما أقوله من أن لك أن تتخذ الوافر أصلا وتفرع عليه جميع البحور على ما أذكره وهو أن تقدر أصل الوافر مثمنا منبها على ذلك بنحو قول امرئ القيس:
خيال هاج لي شجنا ... فبت مكابدا حزنا
عميد القلب مرتهنا ... بذكر اللهو والطرب