ونحن نذكر حاصل ما فيه عند الأصحاب على اختلاف آرائهم فنقول: الإمكان ينقسم على أربعة أقسام: عام وخاص وأخص وأخص الأخص، فالعام هو ما بنفي ضرورة واحدة فحسب، إما ضرورة العدم وإما ضرورة الوجود فينفي المتصف به صالحا لضرورة الوجود لما هو أو لضرورة العدم لما هو والخاص هو ما ينفي الضرورتين فينفي المتصف به صالحا لضرورة من الضرورات لكن من قبيل السبغة دون قبيل اللاحقة وأخص الأخص هو ما ينفي ضرورات القبيلتين جمع فلا ينفي المتصف به صالحا لا لضرورة سابقة ولا لضرورة لاحقة لكن في أخص الأخص كلام فبعضهم يحققه في الحال وفي الاستقبال وبعضهم يأباه في الحال دون الاستقبال، وبعضهم يأبى تحققه أصلا وهو الأشبه لاستتباعه في الحال ضرورة الوجود أو العدم اللاحقة، وفي الاستقبال ضرورة العدم اللاحقة فتأمله فإني أرى عالما من الناس يتعجبون من هذا القول وأنا أتعجب من تعجبهم ويوردون في إبطال هذا القول حججا يكفي في إبطالها مجرد تلخيص محل النزاع، وأما إثباته في الاستقبال فلا وجه له عندي سوى تخصيص الضرورة اللاحقة بالوجود دون العدم بوساطة العناية لا غير تشبثا فيها بأن الضرورة اللاحقة متى ذكرت ذكرت مع الوجود. وإذ قرع سمعك ما تلونا عليك لزم أن نتكلم في إطلاق الجمل وفي تقييدها بما سبق ذكره ثم نتكلم في النقائض وقبل أن نشرع في ذلك ننبهك على أصل كلي وهو مزلة أقدام في هذا الفن لا بد من التنبه له وهو أن اعتبار كلمة النفي جزءا من المدخول عليه مغاير لاعتبارها غير جزء منه ولذلك يمتنع اللاموجود أسود والمعدوم هو لا أسود وقد تقدم تحقيق هذا في علم المعاني في فصل وصف المعرف ويسمى هذا إثباتا مشوشا ولا يمتنع ليس الموجود أسود والمعدوم ليس أسود ويسمى هذا نفيا مبنيا، وأن اعتبار إثبات نفي الشيء للشيء مغاير لاعتبار نفي إثبات الشيء عن الشيء ولذلك يمتنع المعدوم هو أسود في الإثبات المشوش ويصح ليس المعدوم أسود في النفي المبين، وإذا عرفت الإثبات المشوش والنفي المبين فقس عليهما الإثبات المبين والنفي المشوش وكما تصورت في النفي ما ذكرت فتصوره بعينه في جانب الإمكان والضرورة والدوام واللادوام. بينما إذا جعلت أجزاء المبتدأ والخبر، وبينما إذا جعلت جهات الحكم الجملة في الإثبات أو النفي مستجمعا لتمام تصوره مثابة رويتك ثم من بعد التنبيه نقول: المبتدأ كليا كان أو بعضيا إذا أثبت له الخبر كقولنا: كل إنسان ناطق أو بعض الناس فصيح أو نفى عنه كقولنا: لا إنسان بعالم غيب أو لا كل فصيح بشاعر من غير بيان أنه مشروط أو لا مشروط وأنه دائم أو لا دائم وأنه ضروري أولا ضروري سميت الجملة مطلقة عامة، ومن الناس من يزعم أن الجملة لا تصدق إلا مع الدوام، ولو صدق في زعمه لامتنع قولنا بعض الأجسام ساكن لكن إما دائما وأما غير دائم ولا يمتنع وله وجه دفع، ومن الناس من يزعم أن الجملة لا تصدق كلية إلا مع الضرورة لكن جزم العقل بأن حكم أفراد النوع يصح أن لا يختلف يستلزم إذا صحت اللاضرورة في فرد من أفراد النوع أن تصح في الكل وأنك تعرف معنى الكل ما هو كل وهو فرد فرد لا الكل المجتمع المصحح للتفاوت بين حالي انفراد الأفراد واجتماعها، ومن الناس من يزعم أن النفي الكلي يستلزم شرط الوصف يعني أنه قيل لا أبيض بجامع للبصر ومعناه ما عرفت لا شيء مما له البياض أفاد ما دام أبيض فعلى زعمه تسمى الجملة مطلقة عرفية لما في العرف من إضافة الحكم على الوصف، والحاصل من المطلق الحقيقي هو ما ترى نوع واحد هذا في باب الإطلاق، وإذا لا شرطنا وعندنا ذات وصفة وقيدنا وعندنا دوام ولا دوام وضرورة ولا ضرورة حصل من ذلك أنواع كثيرة ولكنا نذكر من ذلك ما أنت مفتقر إليه في الحال وإذا أتقنته صار لك عمدة في الباقي فنقول في نوع اعتبار الشرط والتقييد بالدوام واللادوام الجملة التي يبين فيها الخبر في الثبوت أو الانتفاء يدوم للمبتدأ بدوام ذاته من غير التعرض للوصف تسمى وجودية دائمة ويلزم فيها إذا كانت للذات صفة تحتمل اللادوام أن تخرج دوام الخبر على لا دوامه، والجملة التي يبين فيها أن الخبر يدوم للمبتدأ بدوام وصفه من غير التعرض للذات تسمى عرفية عامة، والجملة التي يبين فيها أن الخبر لا يدوم للمبتدأ بدوام ذاته تسمى وجودية لا دائمة ويلزم فيها إذا كانت للذات صفة دائمة أن لا تخرج لا دوام الخبر على
مفتاح العلوم · الصفحة ١٩٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ١٩٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي