إن يحيى لا يزال يحيى صديقي ... وخليلي من دون هذه الأنام
فأدرج لا زال يحيى وكما قال عز قائلا " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار " فقوله ولن تفعلوا اعتراض، وكما قال " فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم " فقوله وإنه لقسم لو تعلمون عظيم اعتراض وقوله لو تعلمون اعتراض في اعتراض.
ومنه الاستتباع، وهو المدح بشيء على وجه يستتبع مدحا آخر كقوله:
نهبت من الأعمار ما لم حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد
ألا تراه كيف مدحه بالشجاعة على وجه استتبع مدحه بكمال السخاء وجلال القدر من وجه آخر ويوضح لك ما ذكرت إذا قسته على قولك نهبت من الأعمار ما لو اجتمع لك لبقيت مخلدا.
ومنه الالتفات، وقد سبق ذكره في علم المعاني.
ومنه تقليل اللفظ ولا تقليله مثل: يا وهيا وغاض وغيض إذا صادفا الموقع ويتفرع عليهما الإيجاز في الكلام والإطناب فيه، وقد سبقا في الذكر.
ومن القسم الثاني التجنيس، وهو تشابه الكلمتين في اللفظ والمعتبر منه في باب الاستحسان عدة أنواع: أحدها التجنيس التام، وهو أن لا يتفاوت في اللفظ كقولك: رحبة رحبة. وثانيها التجنيس الناقص، وهو ان يختلفا في الهيئة دون الصورة كقولك البرد يمنع البرد وكقولك: البدعة شرك الشرك وكقولك الجهول إما مفرط أو مفرط، والمشدد في هذا الباب يقام مقام المخفف نظرا على الصورة فاعلم. وثالثها التجنيس المذيل، وهو ان يختلفا بزيادة حرف كقولك: مالي كمالي وجدي جهدي وكاس كاسب. ورابعها التجنيس المضارع أو المطرف، وهو ان يختلفا بحرف أو حرفين مع تقارب المخرج كقولك في الحرف الواحد دامس وطامس وحصب وحسب وكثب وكثم وفي الحرفين كقولهم ما خصصتني وإنما خسستني. وخامسها التجنيس اللاحق، وهو ان يختلفا لا مع التقارب كقولك سعيد بعيد كاتب كاذب عابد عائب والمختلفان في اللاحق إذا اتفقا كتبه كقولك عائب عابث سمي تجنيس تصحيف، والمتجانسان إذا وردا على نحو قولهم من طلب وجد وجد أو قولهم من قرع بابا ولج ولج أو على نحو المؤمنون هينون لينون وجئتك من سبأ بنبأ أو على نحو قولهم: النبيذ بغير النغم غم وبغير الدسم سم سمي ذلك مزدوجا ومكررا ومرددا، وها هنا نوع آخر يسمى تجنيسا مشوشا وهو مثل قولك بلاغة وبراعة، وإذا وقع أحد المتجانسين في التام مركبا ولم يكن مخالفا في الخط كقوله:
إذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه
سمي متشابها، وإن كان مخالفا في الخط كقوله:
كلكم قد أخذ الجام ولا جام لنا ... ما الذي ضر مدير الجام لو جاملنا
سمي مفروقا، ومما يلحق بالتجنيس نظير قوله عز وجل قال " إني لعملكم من القالين، وجنا الجنتين دان " وكثير ما يلحق بالتجنيس الكلمتان الراجعتان على أصل واحد في الاشتقاق مثل ما في قوله عز اسمه فأقم وجهك للدين القيم، وقوله " فروح وريحان " ومن جهات الحسن رد العجز على الصدر، وهو أن يكون إحدى الكلمتين المتكررتين أو المتجانستين أو الملحقتين بالتجانس في آخر البيت والأخرى قبلها في أحد المواضع الخمسة من البيت وهي صدر المصراع الأول وحشوه وآخره وصدر المصراع الثاني وحشوه كما إذا قلت:
مشتهر في علمه وحلمه ... وزهده وعهده مشتهر
في علمه مشتهر وحلمه ... وزهده وعهده مشتهر
في علمه وحلمه وزهده ... مشتهر وعهده مشتهر
في علمه وحلمه وزهده ... وعهده مشتهر مشتهر
والأحسن في هذا النوع أن لا يرجع الصدر والعجز على التكرار، ومن جهات الحسن القلب كقولك حسامه فتح لأوليائه حتف لأعدائه وأنه يسمى مقلوب الكل أو كقوله: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا وأنه يسمى مقلوب البعض، وإذا وقع أحد المقلوبين قلب الكل في أول البيت والثاني في آخره سمي مقلوبا مجنحا، وإذا وقع قلب الكل في كلمتين أو أكثر شعرا أو غير شعر كقولك كيل مليك وخان إذا ناخ وقوله:
أس أرملا إذا عرا ... وارع إذ المرء أسا