تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإنه أراد أن يجمع الجود لا على سبيل التصريح ويثبته للممدوح لا على سبيل التصريح أيضا فعمد على نفس الجود فنفى أن يكون متوزعا يقوم منه جزء بهذا وجزء بذاك فنكر الجود قصدا على فرد من أفراد الحقيقة ونفى أن يجوز ممدوحه فقال فما جازه جود بالتنكير كما نرى تنبيها بذلك على أن لو جازه لكان قائما بمحل هناك لامتناع قيامه بنفسه، ثم لمثل هذا قال ولا حل دونه كناية بذلك عن عدم توزعه وتقسمه ثم خصصه من بعد بجهة تلك الجهة لممدوحه بعد أن عرفه باللام الاستغراقية فقال ولكن يصير الجود حيث يصير كناية عن ثبوته له، ومنه قولهم مجلس فلان مظنة الجود والكرم، وقد يظن أن ههنا قسما رابعا، وهو أن يكون المطلوب بالكناية الوصف والتخصيص معا مثل ما يقال يكثر الرماد في ساحة عمرو في الكناية عن أن عمرا مضياف فليس بذاك إذ ليس ما ذكر بكناية واحدة بل هما كنايتان وانتقال من لازمين على ملزومين أحد اللازمين كثرة الرماد والثاني تقييدها وهو قولك في ساحة عمرو.

واعلم أن الكناية في القسم الثاني والثالث تارة تكون مسوقة لأجل الموصوف المذكور كما تقول فلان يصلي ويزكي وتتوصل بذلك على أنه مؤمن وفلان يلبس الغيار وتريد أنه يهودي وكالأمثلة المذكورة، وتارة تكون مسوقة لأجل موصوف غير مذكور كما تقول في عرض من يؤذي المؤمنين المؤمن هو الذي يصلي ويزكي ولا يؤذي أخاه المسلم وتتوصل بذلك على نفي الإيمان عن المؤذي وكقوله علت كلمته في عرض المنافقين " هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب " إذا فسر الغيب بالغيبة بمعنى يؤمنون مع الغيبة عن حضرة النبي أو عن جماعة المسلمين على معنى هدى للذين يؤمنون عن إخلاص لا الذين يؤمنون عن نفاق، وإذ قد وعيت ما أملى عليك فنقول: متى كانت الكناية عرضية على ما عرفت كان إطلاق اسم التعريض عليها مناسبا وإذا لم تكن كذلك نظر فإن كانت ذات مسافة بينها وبين المكنى عنه متباعدة لتوسط لوازم كما في كثير الرماد وأشباهه كان إطلاق اسم التلويح عليها مناسبا، لأن التلويح هو أن تشير على غيرك عن بعد وإن كانت ذات مسافة قريبة مع نوع من الخفاء كنحو عريض القفا وعريض الوسادة كان إطلاق اسم الرمز عليها منسبا لأن الرمز هو أن تشير على قريب منك على سبيل الخفية. قال:

رمزت إلي مخافة من بعلها ... من غيرها أن تبدي هناك كلامها

وإن كانت لا مع نوع الخفاء كقول أبي تمام:

أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد

فإنه في إفادة أن أبا سعيد كريم غير خاف كان إطلاق اسم الإيماء والإشارة عليها مناسبا وكقول البحتري:

أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول

فإنه في إفادة أن آل طلحة أماجد ظاهر، وكقول الآخر:

إذا الله لم يسق إلا الكرام ... فسقى وجوه بني حنبل

وسقى ديارهم باكرا ... من الغيث في الزمن الممحل

فإنه في إفادة كرم بني حنبل كما ترى، وكقول الآخر:

متى تخلو تميم من كريم ... ومسلمة بن عمرو من تميم

فإنه في إفادة كرم مسلمة من الجميع، وأما قوله:

سألت الندى والجود مالي أراكما ... تبذلتما ذلا بعز مؤيد

وما بال ركن المجد أمسى مهدما ... فقال أصبنا بابن يحيى محمد

فقلت فهلا متما عند موته ... فقد كنتما عبديه في كل مشهد

فقالا أقمنا كي نعزى بفقده ... مسافة يوم ثم نتلوه في غد

في إفادة جود ابن يحيى ومجده فعلى ما ترى من الظهور.

مفتاح العلوم · الصفحة ١٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ١٧٩