واعلم أن التعريض تارة يكون على سبيل الكناية وأخرى على سبيل المجاز، فإذا قلت آذيتني فستعرف وأردت المخاطب إنسانا آخر معتمدا على قرائن الأحوال كان من القبيل الأول وإن لم ترد إلا غير المخاطب كان من القبيل الثاني فتأمل، وعلى هذا فقس وفرع إن شئت فقد نبهتك. واعلم أن أرباب البلاغة وأصحاب الصياغة للمعاني مطبقون على أن المجاز أبلغ من الحقيقة وأن الاستعارة أقوى من التصريح بالتشبيه وأن الكناية أوقع من الإفصاح بالذكر والسبب في أن المجاز أبلغ من الحقيقة هو ما عرفت أن مبنى المجاز على الانتقال من الملزوم على اللازم فأنت في قولك رعينا الغيث ذاكرا الملزوم النبت مريدا به لازمه بمنزلة مدعي الشيء ببينه فإن وجود الملزوم شاهد لوجود اللازم لامتناع انفكاك الملزوم عن اللازم لأداء انفكاكه عنه على كون الشيء ملزوما غير ملزوم باعتبار واحد، وفي قولك رعينا النبت مدعى للشيء لا ببينه وكم بين ادعاء الشيء ببينه وبين ادعائه لا بها، والسبب في أن الاستعارة أقوى من التصريح بالتشبيه أمران: أحدهما أن في التصريح بالتشبيه اعترافا بكون المشبه به أكمل من المشبه في وجه الشبه على ما قررت في باب التشبيه. والثاني في ترك التصريح بالتشبيه على الاستعارة التي هي مجاز مخصوص الفائدة التي سمعت في المجاز آنفا من دعوى الشيء ببينه، والسبب في أن الكناية عن الشيء أوقع من الإفصاح بذكره نظير ما تقدم في المجاز بل عينه، يبين ذلك أن مبنى الكناية كما عرفت على الانتقال من اللازم على ملزوم معين ومعلوم عندك أن الانتقال من اللازم على ملزوم معين يعتمد مساواته إياه لكنهما عند التساوي يكونان متلازمين فيصير الانتقال من اللازم إلى الملزوم إذ ذاك بمنزلة الانتقال من الملزوم على اللازم فيصير حال الكناية كحال المجاز في كون الشيء معها مدعى ببينة ومع إفصاح بالذكر مدعى لا ببينه، وبهذا الطريق ينخرط نحو أمطرت السماء نباتا في سلك نحو رعينا الغيث فافهم، هذا ما أمكن من تقرير كلام السلف رحمهم الله في هذين الأصلين، ومن ترتيب الأنواع فيهما وتذييلها بما كان يليق بها وتطبيق البعض منها بالبعض وتوفية كل من ذلك حقه على موجب مقتضى الصناعة وسيحمد ما أوردت ذوو البصائر، وإني أوصيهم إن أورثهم كلامي نوع استمالة وفاتهم ذلك في كلام السلف إذا تصفحوه أن لا يتخذوا ذلك مغمزا للسلف أو فضلا لي عليهم فغير مستبدع في أيما نوع فرد أن ينزل عن أصحابه ما هو أشبه بذلك النوع في بعض الأصول أو الفروع أو التطبيق للبعض بالبعض متى كانوا المخترعين له وإنما يستبدع ذلك ممن زجى عمره راتعا في مائدتهم تلك، ثم لم يقو أن يتنبه وعلماء هذا الفن وقليل ما هم كانوا في اختراعه واستخراج أصوله وتمهيد قواعدها وأحكام أبوابها وفصولها والنظر في تفاريعها واستقراء أمثلتها اللائقة بها وتلقطها من حيث يجب نلقطها وأتعاب الخاطر في التفتيش والتنقير عن ملاقطها وكد النفس والروح في ركوب المسالك المتوعرة على الظفر بها مع تشعب هذا النوع على شعب بعضها أدق من البعض وتفننها أفانين بعضها أغمض من بعض كما عسى أن يقرع سمعك طرف من ذاك فعلوا ما وفت به القوة البشرية إذ ذاك، ثم وقع عند فتورها منهم ما هو لازم الفتور. وأما بعد فإن خلاصة الأصلين هي أن الكلمة لا تفيد ألبتة إلا بالوضع أو الاستلزام بوساطة الوضع، وإذا استعملت فإما أن يراد معناها وحده أو غير معناها وحده أو معناها وغير معناها معا. فالأول هو الحقيقة في المفرد وهي تستغني في الإفادة بالنفس عن الغير. والثاني هو المجاز في المفرد وأنه مفتقر على نصب دلالة مانعة عن إرادة معنى الكلمة. والثالث هو الكناية ولا بد من دلالة حال والحقيقة في المفرد والكنابة تشتركان في كونهما حقيقيتين ويفترقان في التصريح وعدم التصريح، وغير معناها في المجاز إما أن يقدر قائما مقام معناها بوساطة المبالغة في التشبيه أو لا يقدر والأول هو الاستعارة والثاني هو المجاز المرسل والمذكور في الاستعارة إما أن يكون هو المشبه به أو المشبه والأول هو الاستعارة بالتصريح والثاني هو الاستعارة بالكناية، وقريننها أن يثبت للمشبه أو ينسب إليه ما هو مختص بالمشبه به، والمشبه به المذكور في الاستعارة بالتصريح إما أن يكون مشبهه المتروك شيئا له تحقق أو شيئا لا تحقق له والأول والاستعارة التحقيقية
مفتاح العلوم · الصفحة ١٨٠
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ١٨٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي