فإنه حين أراد أن لا يصرح بتخصيص السماحة والمروءة والندى بابن الحشرج فيقول السماحة لابن الحشرج والمروءة له والندى له فإن الطريق على تخصيص الصفة بالموصوف. لتصريح إما الإضافة أو معناها وإما الإسناد أو معناه فالإضافة كقولك سماحة ابن الحشرج أو سماحته مظهرا كان المضاف إليه أو مضمرا أو معناها كقولك السماحة لابن الحشرج أو السماحة له والإسناد كقولك سمح ابن الحشرج أو حصل السماحة ومعناه كقولك ابن الحشرج سمح بتقدير ضمير ابن الحشرج في سمح العائد إليه كما هو أعنى تخصيص الصفة بالموصوف مصرح به في جميع ما تقدم من الأمثلة أو ما ترى الوصف المكنى عنه وهو طول القامة بقولك طويل النجاد كيف تجده مضافا على ضمير موصوفه في قولك زيد طويل نجاده وهو الهاء في نجاده العائد على زيد المطلوب تخصيص طول القامة به أو مسندا على ضمير موصوفه في قولك طويل النجاد وهو الضمير في طويل العائد على الموصوف أو الوصف المكنى عنه وهو وفور الإحسان بأنس الكلب بالزوار كيف تجده مضافا على ضمير موصوفه وهو عبد العزيز المخاطب المطلوب تخصيص وفور الإحسان به أو الوصف المكنى عنه وهو المضيافية بلا إمتاع العوذ بالفصال وابتياع قريبة الأجل كيف تجده مسندا على ضمير موصوفه وهو ضمير الحكاية الراجع على ابن هرمة المطلوب تخصيص المضيافية به ماذا صنع جمع السماحة والمروءة والندى في قبة تنبيها بذلك أن محلها محل ذو قبة محاولا بذلك اختصاصها بابن الحشرج ثم لما رأى غرضه ما كان يتم بذلك لوجود ذوي قباب في الدنيا كثيرين جعل القبة مضروبة على ابن الحشرج حتى تم غرضه ومنها قولهم المجد بين ثوبيه والكرم بين برديه، وقد يظن هذا من قسم زيد طويل نجاده وليس بذلك فطويل نجاده بإسناد الطويل على النجاد تصريح بإثبات الطول للنجاد وطول النجاد كما تعرف قائم مقام طول القامة فإذا صرح من بعد بإثبات النجاد لزيد بالإضافة كان ذلك تصريحا بإثبات الطول لزيد فتأمل. ومنها قوله وهو ألطف:
والمجد يدعو أن يدوم لجيده ... عقد مساعي ابن العميد نظامه
انظر حين أراد أن يثبت المجد لابن العميد لا على سبيل التصريح ماذا صنع أثبت لابن العميد مساعي وجعلها نظام عقد وبين أن مناط ذلك العقد هو جيد المجد فنبه بذلك على اعتناء ابن العميد بتزيين المجد، ونبه بتزيينه إياه على اعتنائه بشأنه أعني بشأن المجد وعلى محبته له ونبه بذلك على أنه ماجد ولم يقنعه ذلك حتى جعل المجد المعرف تعريف الجنس داعيا أن يدوم ذلك العقد لجيده فنبه بذلك على طلب حقيقة المجد ودوام بقاء ابن العميد ونبه بذلك على أن تزيينه والاعتناء بشأنه مقصوران على ابن العميد حتى أحكم بتخصيص المجد بابن العميد وأكده أبلغ تأكيد. وحاصله أن الشاعر جعل المجد متزينا في المآل بابن العميد وجعل تزيينه به تخصيصا له به على نحو ما يقال تزينت الوزارة بفلان إذا حصلت له. ومنها قول الشنفرى الأزدي وصف امرأة بالعفة:
يبيت بمنجاة عن اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت
فإنه حين أراد أن يبين عفافها وبراءة ساحتها عن التهمة وكمال نجاتها عن أن تلام بنوع من الفجور على سبيل الكناية قصد على نفس النجوة عن اللوم، ثم لما رآها غير مختصة بتلك العفيفة لوجود عفائف من الدنيا كثيرة نسبها على بيت يحيط بها تخصيصا للنجاة عن اللوم بها فقال: يبيت بمنجاة عن اللوم بيتها ولم يقل يظل قصدا على زمان له مزيد اختصاص بالفواحش وهو الليل وقول ابن هانئ
فما جاز جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير