صحة استناد يزيد على الله عز وجل على معنى يزيدك الله حسنا في وجهه لما أودعه من دقائق الحسن والجمال بكمال قدرته متى تأملت وتأنقت فقل فاعل أقدمني ذلك وفاعل صيرني ويزيد هذا. وأما الحقيقة العقلية وتسمى حكمية أيضا وإثباتية فهي الكلام المفاد به ما عند المتكلم من الحكم فيه كقولك أنبت الله البقل وشفى الله المريض وكسا خدم الخليفة الكعبة وهزم عسكر الأمير الجند وبنى عملة الوزير القصر، وإنما قلت ما عند المتكلم من الحكم فيه دون أن أقول ما في العقل من الحكم فيه ليتناول كلام الدهري إذا قال أنبت الربيع البقل رائيا إنبات البقل من الربيع، وكلام الجاهل إذا قال شفى الطبيب المريض رائيا شفاء المريض من الطبيب حيث عدا منهما حقيقتين مع كونهما غير مفيدين لما في العقل من الحكم فيهما ومن أراد تصحيحه ذاهبا فيه على أن يعني عقل المتكلم استتبع هنات، ومن حق هذا المجاز الحكمي أن يكون فيه للمسند إليه المذكور نوع تعلق وشبه بالمسند إليه المتروك فإنه لا يرتكب إلا لذلك مثل ما يرى للربيع في أنبت الربيع البقل من نوع شبه بالفاعل المختار من دوران الإنبات معه وجودا وعدما نظرا على عدم الإنبات بدونه وقت الشتاء ووجوده مع مجيئه دوران الفعل مع اختيار القادر وجودا وعدما، ومثل ما ترى أيضا للدواء في شفي الدواء المريض من دوران الشفاء مع تناوله وجودا وعدما، وما ترى للخليفة في كسا الخليفة البيت من دوران كسوة البيت مع أمره وجودا وعدما، فإن لم يكن هذا الشبه بين المذكور والمتروك كما لو قلت أنبت الربيع البقل وشفى الدواء المريض نسبت على ما تكره ولما تسمع من علماء هذا الفن كثيرا في المجاز العقلي أنه يكون مجازا في الإثبات ربما أوهم اختصاصه بالخبر فلا تخصصه به، وقل في مثل ما إذا قلنا إني بعد ما اقتنعت باليسير من الدنيا وطبت نفسا عن زخارفها ومحوت وساوس الفضول عن دفتر الخاطر وليس يهمني الآن غير التلافي لما فرط فليفعل الدهر ما شاء وليختلف الأصول اختلافها فلينبت الربيع ما أحب وليثمر الأشجار أيا اشتهت ولينضج الخريف ما أدرك فلست أبالي أن هذه الأوامر بأسرها من باب المجاز الحكمي، وإذا تأملت المجاز العقلي وجدت الحاصل منه يرجع على إيقاع نسبة في غير موضعها عند الموقع لا بد من حيث اللغة لضرب من التأويل مثل النسبة بين إنبات البقل والربيع في الخبر والأمر والنهي والاستفهام وبين الوزير وبناء القصر في ذلك، هذا كله تقرير للكلام في هذا الفصل بحسب رأي الأصحاب من تقسيم المجاز على لغوي وعقلي وإلا فالذي عندي هو نظم هذا النوع في سلك الاستعارة بالكناية بجعل الربيع استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقي بوساطة المبالغة في التشبيه على ما عليه مبني الاستعارة كما عرفت وجعل نسبة الإنبات إليه قرينة الاستعارة وبجعل الأمير المدبر لأسباب هزيمة العدو استعارة بالكناية عن الجند الهازم وجعل نسبة الهزم إليه قرينة للاستعارة وإنني بناء على قولي هذا ههنا، وقولي ذلك في فصل الاستعارة التبعية، وقولي في المجاز الراجع عند الأصحاب على حكم للكلمة على ما سبق أجعل المجاز كله لغويا، وينقسم عندي هكذا على مفيد وغير مفيد والمفيد على استعارة وغير استعارة والاستعارة على مصرح بها ومكني عنها والمصرح بها على تحقيقية وتخييلية والمكنى عنها على ما قرينتها أمر مقدر وهمي كالأنياب في قولك أنياب المنية وكنطقت في قولك نطقت الحال بكذا أو أمر محقق كالإنبات في قولك أنبت الربيع البقل وكالهزم في قولك هزم الأمير الجند والتحقيقية والتخييلية كلتاهما على قطعية واحتمالية للتحقيق والتخييل بتحصيل أقسام ثلاثة من ذلك تحقيقية بالقطع تخييلية بالقطع تحقيقية أو تخييلية بالاحتمال. واعلم أن حد الحقيقة الحكمية والمجاز الحكمي عند أصحابنا رحمهم الله غير ما ذكرت حد الحقيقة الحكمية عندهم كل جملة وضعتها على أن الحكم المفاد بها على ما هو عليه في العقل وواقع موقعه وحد المجاز الحكمي كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه في العقل لضرب من التأول، وإذا قد عرفت ما ذكرت وما ذكروا فاختر أيهما شئت.
الأصل الثالث من علم البيان
في الكناية