تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أن هذا المجاز لرجوعه على الحكم واستدعاء الحكم محكوما به ومحكوما له واحتمال كل واحد منهما الحقيقة الوضعية والمجاز الوضعي لا يزال يتردد بين أربع صور لا مزيد عليهن إما أن يكون المحكوم به والمحكوم له حقيقتين وضعيتين، وإما أن يكونا مجازين وضعيين، وإما أن يكون المحكوم به حقيقة وضعية والمحكوم له مجازا وضعيا، وإما بالعكس من هذا، مثال الأولى قولك أنبت الربيع البقل وشفى الطبيب المريض وكسا الخليفة الكعبة وهزم الأمير الجند،فالمحكوم له وهو الربيع والطبيب والخليفة والأمير كل منها حقيقة وضعية مستعملة في مكانها الوضعي، والمحكوم به وهو إنبات البقل وشفاء المريض وكسوة الكعبة وهزم الجند كل من ذلك حقيقة أيضا وضعية مستعملة في مكانها الوضعي لا مجازا لا في مجرد الحكم كما ترى، ومثال الثانية قولك أحيا الأرض شباب الزمان، وسر الكعبة البحر الفياض المحكوم له وهو شباب الزمان والبحر الفياض مجازان وضعيان، والمحكوم به وهو إحياء الأرض ومسرة الكعبة مجازان أيضا وضعيان ونفس الحكم في المثالين مجاز عقلي، ومثال الثالثة أنبت البقل شباب الزمان وكسا الكعبة البحر الفياض، ومثال الرابعة أحيا الربيع الأرض وسر الخليفة الكعبة.

واعلم أن المجاز الحكمي كثير الوقوع في كلام رب العزة. قال عز من قائل " فما ربحت تجارتهم " وقال " وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا " وقال " فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا " وقال " تؤتى أكلها كل حين " وقال " حتى تضع الحرب أوزارها " وقال " وأخرجت الأرض أثقالها " بإسناد الأفعال في هذه كلها على غير ما هي لها عند العقل كما ترى زائلا الحكم العقلي فيها عن مكانه الأصلي إذ مكانه الاصلي إسناد الربح على أصحاب التجارة وإسناد زيادة الإيمان على العلم بالآيات، وإسناد إيتاء أكل الشجرة على خالقها، وإسناد وضع أوزار الحرب على أصحاب الحرب، وإسناد إخراج أثقال الأرض على خالق الأرض، ولا يختلجن في ذهنك بعد أن اتضح لك كون المجاز فرع أصل تحقق مجاز أيا كان بدون حقيقة يكون متعديا عنها لامتناع تحقق فرع من غير أصل فلا تجوز في نحو سرتني رؤيتك ونحو أقدمني بلدك حق لي على فلان، ونحوه:

وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل

ونحو:

يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا

أن لا يكون لكل من هذه الأفعال فاعل في التقدير إذا أنت أسندت الفعل إليه وجدت الحكم واقعا في مكانه الأصلي عند العقل ولكن حكم العقل فيها فأيما شيء ارتضى بصحة استنادها فهو ذاك فإذا ارتضى في سرتني رؤيتك صحة استناد السرور على من رزقك رؤيته وأباحها لك وهو الله عز وجل فقل أصل الكلام سرني الله وقت رؤيتك كما تقول في أنبت الربيع البقل أصل الحكم أنبت الله البقل وقت الربيع وفي شفى الطبيب المريض أصل الحكم شفى الله المريض عند علاج الطبيب وإذا ارتضى في أقدمني بلدك حق لي على فلان صحة استناد أقدمني على نفسك على معنى أقدمني نفسي لأجل حق لي على فلان أي قدمت لذلك كما تصرح بذلك فتقول حملتني نفسي على الطاعة أي أطعت. وحاصله يرجع على معنى أقدمني قدرتي على القدوم والداعي إليه الخالص فالفعل في وجوده لا يحتاج إلا على قادر ذي داع له إليه خالص ونظيره محبتك جاءت بي إليك الأصل جاءت بي نفسي إليك لمحبتك أي جئت لمحبتك ووجد المجيء إليك من نفسي لمحبتك وإياك والظن بأقدمني بلدك حق لي على فلان وبمحبتك جاءت بي إليك كونهما حقيقيتين فالفعلان فيهما مسندان كما ترى على مجرد الداعي والعقل لا يقبل الداعي فاعلا، وإنما يقبله محركا للفاعل أعني للمتصف بالقدرة، وتمام تحقيق هذا المعنى يستدعي نوعا من العلوم غير نوع علم البيان فليقتنع بهذا القدر، وإذا ارتضى في:

وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل

صحة استناد صير على الله تعالى على معنى أهلكني الله ابتلاء بسبب اتباعي هواك وإذا ارتضى في:

يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا

مفتاح العلوم · الصفحة ١٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ١٧٤