الكناية هي ترك التصريح بذكر الشيء على ما ذكر ما يلزمه لينتقل من المذكور على المتروك كما نقول فلان طويل النجاد لينتقل منه على ما هو ملزوم وهو طول القامة وكما تقول فلانة نئوم الضحى لينتقل منه على ما هو ملزومه وهو كونها مخدومة غير محتاجة على السعي بنفسها في إصلاح المهمات وذلك أن وقت الضحى وقت سعي نساء العرب في أمر المعاش وكفاية أسبابه وتحصيل ما يحتاج إليه في تهيئة المتناولات وتدبير إصلاحها فلا تنام فيه من نسائهم إلا من تكون لها خدم ينوبون عنها في السعي لذلك لما وسمي هذا النوع كناية لما فيه من إخفاء وجه التصريح ودلالة كني على ذلك لأن ك ن ى كيفما تركبت دارت مع تأدية معنى الخفاء من ذلك كنى عن الشيء يكنى إذ لم يصرح به ومنه الكنى وهو أبو فلان وابن فلان وأم فلان وبنت فلان سميت كنى لما فيها من إخفاء وجه التصريح بأسمائهم الأعلام ومن ذلك نكى في العدو ينكي إذا أوصل إليه مضار من حيث لا يشعر بها ومنه نكايات الزمان لجوائحها الملمة على بنية من حيث لا يشعرون ومن ذلك الكين للحمة المستبطتة في فلهم المرأة لخفائها ومن ذلك مقلوب الكين قلب الكل لإخفاء الناس إياه واحترازهم أن يصرحوا بلفظه فضلا أن يرتكبوا معناه جهارا، ثم إن الكناية تتفاوت على تعريض وتلويح ورمز وإيماء وإشارة ومساق الحديث يحسر لك اللثام عن ذلك، والفرق بين المجاز والكناية يظهر من وجهين أحدهما أن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة بلفظها فلا يتمنع في قولك فلان طويل النجاد أن تريد طول نجاده من غير ارتكاب تأويل مع إرادة طول قامته وفي قولك فلانة نئومة الضحى أن تريد أنها تنام ضحى لا عن تأويل يرتكب في ذلك مع إرادة كونها مخدومة مرفهة والمجاز ينافي ذلك فلا يصح في نحو رعينا الغيث أن تريد معنى الغيث وفي نحو قولك في الحمام أسد أن تريد معنى الأسد من غير تأويل وأنى والمجاز ملزوم قرينة معاندة لإرادة الحقيقة كما عرفت وملزوم معاند الشيء معاند لذلك الشيء. والثاني أن مبنى الكناية على الانتقال من اللازم على الملزوم ومبنى المجاز على الانتقال من الملزوم على اللازم كما سنعود على هذا المعنى عند ترجيح الكناية على التصريح. وإذ قد سمعت أن الكناية ينتقل فيها من اللازم على الملزوم فاسمع أن المطلوب بالكناية لا يخرج عن أقسام ثلاثة: أحدها طلب نفس الموصوف. وثانيها طلب نفس الصفة. وثالثها تخصيص الصفة بالموصوف والمراد بالوصف هاهنا كالجود في الجواد والكرم في الكريم والشجاعة في الشجاع وما جرى مجراها.
القسم الأول: في الكناية المطلوب بها نفس الموصوف الكناية في هذا القسم تقرب تارة وتبعد أخرى فالقرينة هي أن يتفق في صفة من الصفات اختصاص بموصوف معين عارض فتذكرها متوصلا بها على ذلك الموصوف مثل أن تقول جاء المضياف وتريد لعارض اختصاص للمضياف بزيد والبعيدة هي أن تتكلف اختصاصها بأن تضم على لازم آخر وآخر فتلفق مجموعا وصفيا مانعا عن دخول كل ماعدا مقصودك فيه مثل أن تقول في الكناية عن الإنسان حي مستوي القامة عريض الأظفار.
القسم الثاني: في الكناية المطلوب بها نفس الصفة أن الكناية في هذا القسم أيضا تقرب تارة وتبعد أخرى، فالقريبة هي أن تنتقل على مطلوبك من أقرب لوازمه إليه مثل أن تقول فلان طويل نجاده أو طويل النجاد متوصلا به على طول قامته أو مثل أن تقول فلان كثير أضيافه أو كثير الأضياف متوصلا به على أنه مضياف.