الشاهد لنزاهته أن يريد حمل كلامه السابق على الظاهر ولئلا يمتنع عكسه بمثل كسا الخليفة الكعبة وهزم الأمير الجند فليس في العقل امتناع أن يكسو الخليفة نفسه الكعبة ولا امتناع أن يهزم الأمير وحده الجند ولا يقدح ذلك في كونهما من المجاز العقلي وإنما قلي لضرب من التأويل ليحترز به عن الكذب فإنه لا يسمى مجازا مع كونه كلاما مفيدا خلاف ما عند المتكلم وإنما قلت إفادة للخلاف لا بواسطة وضع ليحترز به عن المجاز اللغوي في صورة وهي إذا ادعى أن أنبت موضوع لاستعماله في القادر المختار أو وضع لذلك فإن المجاز حينئذ يسمى لغويا وضعيا لا عقليا، وإنما قلت بوساطة وضع على التنكير دون أو أقول الوضع ليشمل وضع اللغة إن ادعى ووضع غيرها إن ارتكب ولأجل هذه الصورة لا ترى علماء هذا الفن يحكمون على نحو أنبت الربيع البقل بكونه مجازا عقليا إلا بعد بيان أن صيغ الأفعال في معنى نسبتها على الفاعل ليست تدل على معنى سوى صدورها عن شيء ما فأما أن ذلك الشيء قادر أم غير قادر فليس بداخل في مفهوماتها وضعا ويبينون ذلك بوجوه: منها أن وضعها لاستعمالها في القادر قيد ما نقل عن أحد من رواة اللغة وترك ذكر القيد دليل في العرف على الإطلاق وحكم العقل بأن لا بد لها من مؤثر قادر إن لم يجعل دليلا في ترك تقييدها بذلك في الوضع لعدم الحاجة من أجل شهادة العقل فلا أقل من أن لا يجعل دليلا في التقييد لا سيما والعقل يجوز في أحيا وأشاب وأنبت وأمثالها صدورها عن القادر بوساطة مؤثر لا يكون موصوفا بالقدرة. ومنها فعل في قولهم فعل الربيع النور لو كان موضوعا لاستعماله في القادر، ومن المعلوم أن التفاوت بين الفعل ومصدره لا يكون إلا بمجرد الاقتران بالزمان لكان يلزم أن يكون قولنا فعل النار في كذا وكذا وفعل الماء في كذا وكذا وفعل الدواء الفلاني كذا مجازا معلوما لكل أحد لكن ادعاء ذلك عن الإنصاف بمعزل. ومنها أن نحو خلق وأحيا وأشاب وأنبت لو كانت موضوعة لاستعمالها في القادر بناء على حكم العقل بأنها لا توجد إلا باختيار مختار لكان نحو شغل الحيز وقبل العرض ونافى الضد موضوعة لاستعمالها في غير القادر بناء على حكم العقل بأن شغل الحيز وقبول العرض ومنافاة الضد ليست بالاختيار ودعوى كونها موضوعة لذلك دعوى غير مسموعة من السلف، ويسمى هذا النوع مجازا لتعدي الحكم فيه عن مكانه الأصلي فالحكم في أنبت الربيع البقل بكون الإنبات فعلا للربيع مكانه الأصلي عند العقل كونه فعلا لله عز وجل وفي هزم الأمير الجند بكون هزم الجند فعلا للأمير مكانه الأصلي عند العقلاء كونه فعلا لعسكر الأمير، ويسمى عقليا لا لغويا لعدم رجوعه على الوضع وكثيرا ما يسمى حكميا لتعلقه بالحكم كما ترى ومجازا في الإثبات أيضا لتعلقه بالإثبات وليس من واجبات هذا المجاز أن يكون مكان الحكم الأصلي فيه معلوما بنفس العقل كما في أنبت الربيع البقل، بل إن استعان في علمه بذلك بأمر غير الوضع كما في هزم الأمير الجند وكسا الخليفة الكعبة جاز ولم يخرجه عن كونه عقليا لكن الأليق إطلاق اسم العقلي على الأول واسم الحكمي والإثباتي على الثاني.
مفتاح العلوم · الصفحة ١٧٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ١٧٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي